أصبح من الواضح لكل مراقب منصف أن الصراع النووي بين واشنطن، طهران، وحلفائهم قد خرج من أروقة الدبلوماسية ليتحول إلى استثمار في" صناعة العبث".
تقنيًا، يعرف الجميع، خلف الأبواب المغلقة، أن إيران بعيدة سنوات ضوئية عن تحويل مشروعها النووي إلى سلاح جاهز في غضون أيام؛ فالتصنيع الحربي النووي يتطلب بنية تحتية هندسية وتجارب معقدة لا يمكن إخفاؤها.
إذًا، لماذا كل هذا الضجيج؟اللعبة السياسية: إنجاز من ورق مقابل فزاعة من غازتستخدم إيران" القدرة النووية" كمنصة لاستعراض قوة لا تملكها فعليًا، لترميم شرعية داخلية متآكلة.
وفي المقابل، تستخدم واشنطن ومعها القوى الإقليمية المرتبطة بملفات الأمن هذه" الفزاعة" كذريعة مثالية لإبقاء المنطقة في حالة استنفار دائم؛ مما يضمن تماسك التحالفات، وتدفق صفقات السلاح، واستمرار الضغوط التي تخدم استراتيجيات الاحتواء.
اتفاقات تكتيكية: مسكنات لمريض يحتضرما نراه من" تفاهمات" أو اتفاقات مرحلية بين هؤلاء المتحاربين ليس إلا مسكنات مؤقتة؛ صفقات إفراج عن أموال، تبادل سجناء، أو تهدئة تكتيكية.
هذه التحركات لا تعالج أصل الداء، بل تُبقي الجسد السياسي والاقتصادي معلقًا بين الحياة والموت.
إنها اتفاقات تُبرم" بالمفرّق" لتعطي طهران نفسًا اقتصاديًا، وتمنح خصومها تجميدًا للنشاط النووي دون دفع فاتورة الحل السياسي الجذري.
المعضلة الكبرى: غياب الرؤية الاستراتيجيةهنا يكمن العبث الحقيقي؛ هذه التفاهمات تفتقر إلى أدنى درجات الاستدامة الاستراتيجية.
لا طهران مستعدة للتخلي عن" الورقة النووية" لأنها حصانتها الوحيدة، ولا الأطراف الأخرى مستعدة لدمج إيران في هيكل أمني إقليمي مستقر.
الجميع يدرك أن أي اتفاق هو مجرد" استراحة محارب" قبل جولة جديدة من التصعيد، لأن هدفهم ليس الوصول إلى" نقطة النهاية"، بل إطالة أمد" المباراة".
العبرة في التنفيذ: لماذا يستمر العبث؟إنَّ العبرة في هذا الملف تتلخص في حقيقة مؤلمة: الأنظمة والمتحاربون الذين يقتاتون على الصراع لا يمكنهم أن ينهوه.
عندما يكون الملف النووي هو الركيزة التي تبرر وجود النظام في طهران، وهو الأداة الأرخص للخصوم لضبط الإقليم، فإن" الحل" يصبح تهديدًا مباشرًا لمصالحهم المتبادلة.
في النهاية، نحن أمام مشهد هندسي متقن لإدارة الفشل؛ حيث يصرخ الجميع ويهددون، بينما يوقعون في الخفاء اتفاقات هشة يعلمون أنها ستنهار عند أول تغير في ميزان القوى.
إننا نعيش في ظل" سلام مؤقت" هو في حقيقته" عبث استراتيجي"، لأن جميع هؤلاء المتحاربين أدركوا مبكرًا أن الفوضى المدارة أكثر ربحية لهم من استقرار حقيقي يُنهي الحاجة إلى وجودهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك