فهو لم يعد يرى في القضية الفلسطينية مجرد ملف دبلوماسي معقد، بل بوصلة وحيدة لمستقبل المنطقة؛ فكل مشاريع الاستقرار الإقليمي ستبقى بناءً هشا ومنقوصا -على حد قوله- ما لم تقم على أساس عادل يمنح الفلسطينيين حق تقرير المصير ودولتهم المستقلة.
ويتحدث الباحث الفرنسي، في حلقة (2026/7/5 ) من برنامج" المقابلة"، عن الخطر الوجودي الذي يهدد الدولة الفلسطينية في الوقت الراهن، فبالنسبة له هناك حقيقة جيوسياسية تفرض نفسها وهي أنه لا أمن لأحد دون عدالة للجميع.
ويفند شانيولود الواقع اليوم في قراءة تشريحية قاسية؛ فالحكومة الإسرائيلية الحالية لا تكتفي برفض حل الدولتين علنا، بل تسابق الزمن لفرض وقائع جغرافية تقتلع هذا الطرح من جذوره.
فعمليات الاستيطان التي تتمدد بشراسة في الضفة الغربية ليست سوى عملية ضم مقنع، أو ما يصفه شانيولود بالغزو الصامت الذي يقود المنطقة حتما نحو نظام فصل عنصري (أبارتهايد).
إن هذا المسار الذي يتغذى على القوة العسكرية المفرطة وسياسة الاغتيالات، لن يمنح إسرائيل الأمن المنشود، بل سيغرقها في مأزق تاريخي أعمق ويدفع الشرق الأوسط بأسره نحو دوامة من الصراعات لا تنتهي.
وفي كتابه (أطلس الفلسطينيين) الذي يوثق التحولات الجغرافية والسياسية التي شهدتها فلسطين، لا يرسم شانيولود مجرد خطوط جغرافية، بل يوثق سيرة شعب يطارد حلمه بالدولة وسط غابة من الأسلاك الشائكة والمستوطنات.
ويكشف الكتاب بوضوح ما يسميه الغزو الصامت في الضفة الغربية؛ تلك العملية التي تجري في الظل بعيدا عن صخب المدافع، حيث يتمدد الاستيطان لابتلاع ما تبقى من الأرض، محولا حلم الدولة إلى شظايا مستحيلة الجمع.
وفيما يتعلق بالموقف الفرنسي والأوروبي تجاه القضية، فيذكر أن اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية، وتنسيقها الوثيق مع دول عربية وأوروبية لبلورة ما يُعرف بإعلان نيويورك، لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل محاولة لإعادة الاعتبار للمسار السياسي كبديل وحيد لمنطق السلاح.
غير أن هذه الجهود تظل تصطدم بحائط الصد الأمريكي؛ خاصة أن واشنطن تطغى في دعم إسرائيل وتعطل أي ضغوط دولية جدية قد تجبر اليمين الإسرائيلي المتطرف على التراجع عن مشروعه الرامي إلى تصفية القضية نهائيا.
يتجاوز شانيولود في تحليله حدود الجغرافيا الفلسطينية ليضع القارة العجوز أمام مرآة الحقيقة؛ فأوروبا اليوم تجد نفسها في نظام دولي يتجاذبه الكبار، من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين.
وفي ظل هذا التزاحم الإستراتيجي، يصبح الدفاع عن القانون الدولي وعن عدالة القضية الفلسطينية الاختبار الحقيقي لقدرة أوروبا على استعادة دورها السياسي والأخلاقي، معتبرا أن دور أوروبا يستلزم خوض معركة لاستعادة الهوية السياسية للقارة، قبل أن تكون معركة دبلوماسية.
تنتهي رؤية شانيولود بيقين واحد وهو أن السلام الدائم في الشرق الأوسط ليس مستحيلا، لكنه رهين بتسوية تنهي عقودا من المحو والتهجير.
وبدون هذه التسوية، ستبقى المنطقة ساحة مفتوحة للانفجارات، وسيبقى العالم شاهدا على مأساة يتداخل فيها إنكار الإنسانية بضياع العدالة الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك