لم يعد شاطئ مدينة صور، جنوبي لبنان، مجرد وجهة صيفية يقصدها الباحثون عن نسمة بحر، بل تحول بعد وقف إطلاق النار إلى مساحة يستعيد فيها أبناء الجنوب بعضا من تفاصيل حياتهم، متشبثين بلحظات هادئة في مواجهة ذاكرة الحرب وآثارها الثقيلة.
وفي تغطية أجرتها الصحفية فاطمة شور من شاطئ صور للجزيرة، بدت الحركة على امتداد الساحل انعكاسا لرغبة الأهالي في استعادة إيقاعهم اليومي، بعدما امتلأ الشاطئ بالعائلات والأطفال، وعاد الشبان إلى السباحة والرياضة.
وبين المظلات المنتشرة على الشاطئ وأصوات الأطفال المتداخلة مع هدير الأمواج، حضرت الحرب في الأحاديث أكثر مما حضرت في المشهد نفسه، إذ فضّل كثيرون مواجهة مخاوفهم بالعودة إلى البحر، باعتباره المتنفس الأقرب إلى سكان المدينة منذ سنوات.
يقول هادي إسطنبولي إن أبناء الجنوب، ولا سيما أهالي صور، اعتادوا العودة إلى البحر كلما هدأت الأوضاع، موضحا أن ارتباطهم بالشاطئ يتجاوز كونه مكانا للترفيه، ليصبح جزءا من نمط الحياة الذي يحاولون استعادته بعد كل حرب.
ويؤكد أن القلق من احتمال تجدد التصعيد لا يغيب عن أحاديث السكان، لكنه لا يدفعهم إلى التراجع عن ممارسة حياتهم اليومية، لأن الاستسلام للخوف يعني منح الحرب أثرا يتجاوز زمنها، وهو ما يرفضه أبناء المدينة.
يصف حسن خضرة العودة إلى البحر بأنها كانت خطوة طبيعية فور تراجع حدة التوتر، مشيرا إلى أن أبناء الجنوب يسعون دائما إلى استعادة حياتهم بمجرد زوال الخطر، لأن الاستمرار في الحياة يمثل بالنسبة إليهم شكلا من أشكال الصمود.
ويضيف أن البحر يحتل مكانة خاصة في وجدان أبناء صور، تماما كما تحتل المدينة مكانتها التاريخية على الساحل اللبناني، لذلك لم تمنع المخاوف كثيرين من العودة إليه، حتى مع استمرار القلق من أي تطورات أمنية محتملة.
أما إبراهيم دبوق، فيشير إلى أنه عاد إلى الشاطئ منذ أكثر من 3 أسابيع، مؤكدا أن الحركة بدأت تنشط سريعا عقب عودة الأهالي إلى منازلهم، وأن الإقبال ازداد يوما بعد آخر مع استعادة المدينة شيئا من هدوئها المعتاد.
ويؤكد دبوق أن شاطئ صور يستقطب زوارا من مختلف المناطق اللبنانية، بفضل نظافة مياهه واتساع شاطئه الرملي، لافتا إلى أن الحضور لا يقتصر على أبناء المدينة، بل يمتد إلى عائلات تقصد المكان مع بداية كل موسم صيفي.
وبالنسبة إلى أحمد محمود، لم يكن اختيار البحر بعد العودة إلى صور مصادفة، بل جاء نتيجة شعور طويل بالحنين خلال أشهر النزوح، موضحا أن الشاطئ ظل حاضرا في ذاكرة الأهالي باعتباره المكان الأكثر ارتباطا بمدينتهم وحياتهم اليومية.
ورغم اعترافه بأن احتمال تجدد المواجهات يثير القلق، فإنه يرى أن ذلك لا يغير قرار السكان بالبقاء في مدينتهم، لأن العودة إلى البحر تمثل بالنسبة إليهم رسالة تمسك بالأرض، وإصرارا على عدم السماح للحرب بسرقة تفاصيل حياتهم.
وتقول رزان عيسى إن الأشهر الماضية تركت آثارا نفسية مرهقة على كثير من العائلات، لذلك جاءت العودة إلى البحر بحثا عن شيء من الراحة، مؤكدة أن شاطئ صور يمتلك خصوصية تجعله مختلفا عن سائر الشواطئ اللبنانية.
وترى أن الجلوس أمام البحر ومراقبة الأطفال وهم يلهون بين الأمواج يمنح الأهالي فرصة لالتقاط أنفاسهم بعد مرحلة طويلة من التوتر، ويعيد إليهم إحساسا افتقدوه منذ اندلاع الحرب وما رافقها من نزوح وخسائر.
من جانبه، يؤكد نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين أن شواطئ المدينة تمثل المتنفس الأبرز للأهالي والزوار، مشيرا إلى أن البلدية باشرت افتتاح الموسم الصيفي عبر تركيب 50 خيمة بحرية داخل محمية صور الطبيعية.
ويضيف أن الاستعدادات شملت أيضا تعزيز فرق الإنقاذ والدوريات والإشراف الصحي والرقابة على الأسعار، لضمان موسم صيفي آمن، لافتا إلى أن الأهالي شرعوا في ترميم مرافقهم واستعادة أنشطتهم بالتزامن مع عودة الحركة إلى الشاطئ.
ومع اقتراب المساء، ظل البحر يحتفظ بزواره الذين اختاروا البقاء حتى آخر النهار، بينما بدت صور وكأنها تستعيد جزءا من ملامحها المعهودة، في مشهد يختزل تمسك أهل الجنوب بالحياة، رغم أن مخاوف الحرب لم تغادر الأفق بالكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك