قمة الناتو في أنقرة والبحث عن الهويةفي فترة يشهد فيها النظام الدولي انقسامات عميقة وتكتلات جديدة وتحولات جيوسياسية، ينبض قلب دبلوماسية الأمن العالمي في تركيا.
إذ تعقد القمة السادسة والثلاثون لحلف الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو.
هذه القمة ليست قمة عادية، لأن هناك قضايا بالغة الأهمية وإثارة للاهتمام على طاولة المفاوضات.
وفي مقدمة هذه القضايا، سيتم مناقشة مستقبل الحلف وهويته وأولوياته واستجاباته للتحديات التي ستواجهه في المرحلة الجديدة.
وسيشارك في القمة قادة الدول الأعضاء في الحلف، الذي ارتفع عدد أعضائه إلى 32 دولة بعد انضمام السويد، إضافة إلى مشاركة حلفائه في الشرق الأقصى على أعلى المستويات.
وفي ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد الدولي، قد تمثل هذه القمة نقطة تحول تاريخية على صعيد التوازنات الإقليمية والاستقرار العالمي.
تستضيف تركيا قمة حلف الناتو للمرة الثانية بعد قمة إسطنبول التي عُقدت عام 2004.
وكانت تركيا قد أرسلت جنودًا حتى إلى حرب كوريا في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي من أجل الانضمام إلى حلف الناتو.
وبعد انضمامها في عام 1952، أصبحت تركيا ثاني أكبر جيش من حيث عدد الجنود.
كانت تركيا ذات أهمية حاسمة بالنسبة لحلف الناتو خلال فترة الحرب الباردة.
ويؤكد عقد هذه القمة في أنقرة مرة أخرى على الثقل الذي لا غنى عنه لتركيا داخل الحلف.
وتقع تركيا عند نقطة التقاء البحر الأسود والشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، وهي حامية الجناح الجنوبي لحلف الناتو والجسر الأكثر أهمية بين الشرق والغرب.
إن عقد القمة في تركيا يوجه رسالة إلى الحلفاء مفادها أن التهديدات العالمية لا تقتصر على شمال أوروبا أو شرقها فحسب، بل إن الاستقرار على الجبهات الجنوبية يُعد أيضاً أمراً ضرورياً لبقاء الحلف.
ومن خلال هذه القمة، وجدت تركيا فرصة لطرح دورها كوسيط، وحساسياتها في مكافحة الإرهاب، ودورها التأسيسي في الأمن الأوروبي-الأطلسي مباشرة على طاولة النقاش.
كما تُعد تكنولوجيا الدفاع التركية، ولا سيما الطائرات والمركبات البحرية المسيّرة، من بين المساهمات التي يحظى بها تركيا بتقدير الناتو.
من أبرز ما يميز قمة أنقرة عن القمم السابقة حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عُرف منذ ولايته الأولى بمواقفه المتحفظة تجاه حلف الناتو.
فقد كان ينتقد تحمّل الولايات المتحدة القسم الأكبر من أعباء الحلف، ويدعو الدول الأعضاء إلى زيادة مساهماتها وتقاسم تكاليف الدفاع بصورة أكثر عدلاً.
وبعد أن جرى التوصل في القمة السابقة إلى تفاهم مبدئي حول هذا الملف، ستبحث قمة أنقرة مدى التقدم في تحقيق هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%، إلى جانب مناقشة التحديات والاحتياجات المرتبطة بذلك.
كما أن تصريح ترامب بأنه يشارك في القمة تقديراً للرئيس أردوغان يضفي على الحدث بعداً سياسياً خاصاً.
أما إعلانه قبيل القمة عزمه رفع القيود المفروضة على بيع الأسلحة ومحركات الطائرات لتركيا، فيمثل مكسباً دبلوماسياً مهماً لأنقرة.
وبالتزامن مع انعقاد القمة، تستضيف أنقرة منتدى الصناعات الدفاعية لحلف الناتو NSDIF26، في إشارة واضحة إلى أن الحلف لم يعد ينظر إلى الدفاع باعتباره مسألة عسكرية بحتة، بل بوصفه أيضاً رؤية صناعية واقتصادية متكاملة.
فالمنتدى، الذي يتناول ملفات مثل عقود التسليح، وتقنيات الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، والمواد الخام الحيوية، يعكس سعي الناتو إلى تعزيز قدرته على الردع ليس فقط في ميادين القتال، بل كذلك في خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها أحد الفاعلين الصاعدين في الصناعات الدفاعية، بعدما حققت خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في مجال الطائرات المسيّرة المسلحة وغير المسلحة والذخائر الذكية، الأمر الذي جعلها تتجاوز موقع المستهلك إلى موقع اللاعب المؤثر والموجّه في هذا القطاع.
مما لا شك فيه أن أحد المواضيع السياسية الأكثر أهمية في القمة هو الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا ومستقبل أوكرانيا.
ويعد الحضور الشخصي للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أنقرة إعلانًا واضحًا عن دعم الحلف المستمر لكييف.
وتدعو أنقرة إلى إحياء المفاوضات لإحلال السلام العادل عبر الدبلوماسية المتوازنة والوساطة بين الأطراف المتحاربة، وهو ما نفذته منذ بداية الحرب.
وقد تشكل القرارات التي اتخذت في القمة مستقبل الحرب الأوكرانية الروسية، التي اشتدت مرة أخرى في الأيام الأخيرة.
ومن الممكن أيضاً تفسير المشاركة القوية من جانب الشركاء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ باعتبارها استعراضاً للقوة ضد المحور الصيني في المنافسة العالمية التي يخوضها حلف شمال الأطلسي.
وبالإضافة إلى دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع، فإن مشاركة ممثلي قطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة مهمة أيضاً لأمن الشرق الأوسط.
ومن القضايا التي ستشغل جدول أعمال الناتو بطبيعة الحال مستقبل الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك مستقبل وقف إطلاق النار.
فهذه الحرب لم تُقلق المنطقة وحدها، بل أثارت قلق العالم بأسره بسبب تأثيرها في رفع أسعار الطاقة.
وفي قضايا مثل مضيق هرمز ولبنان ومستقبل البرنامج النووي، تسعى قطر وباكستان، بصفتهما وسيطين، إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف، غير أن حالة كبيرة من الغموض لا تزال قائمة.
وسيناقش الناتو، ضمن مفهومه للدفاع الجماعي، تداعيات عدم الاستقرار التي أفرزتها هذه الحروب، إلى جانب التهديدات غير المتكافئة التي تفرضها التنظيمات الإرهابية.
ومن الأمن السيبراني إلى الدفاع الفضائي، ومن شراكات الإنتاج الصناعي إلى أمن الحدود، ستسهم القرارات المتخذة في رسم المناخ الجيوسياسي للعقود المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك