ما أخفته السياسة كشفته الكرةخلال الأيام الماضية، ومع تأهل المغرب ومصر للأدوار الإقصائية في كأس العالم لكرة القدم2026، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع لا يمكن أن تخطئها العين.
أعلام مصر والمغرب ارتفعت في عواصم عربية بعيدة عنهما، وعبارات التهنئة تدفقت من الخليج إلى المحيط، وامتلأت البيوت والمقاهي بفرح بدا وكأنه انتصار شخصي لكل عربي، حتى لمن لم يسبق له أن زار القاهرة أو الرباط.
كان مشهدًا يستحق التأمل أكثر من الاحتفال، لأنه كشف حقيقة تتكرر كلما حضرت كرة القدم إلى موعدها الأكبر.
نعم.
مباريات كأس العالم لكرة القدم قادرة على إنتاج مشهد يصعب العثور على ما يشبهه في أي مناسبة أخرى.
وما يلفت الانتباه فيها ليس عدد الأهداف، ولا قيمة الكأس، ولا حتى المهارة الرياضية، وإنما تلك اللحظة التي يتحول فيها فوز منتخب عربي إلى مناسبة عاطفية تمتد من مدينة إلى أخرى، ومن بيت إلى آخر، حتى يبدو الفرح وكأنه يعبر الحدود أسرع من الطائرات، ومن دون أن يطلب إذنًا من أحد.
ما إن ينتصر منتخب عربي حتى تتسع دائرة الاحتفال على نحو يصعب تفسيره بالحسابات الرياضية وحدها.
يفوز المغرب، فتُضاء القلوب في الكويت، وفي مصر، وفي اليمن، وفي فلسطين، وفي الجزائر، وفي مدن عربية بعيدة لم تربطها بالمغرب سوى اللغة والذاكرة وبعض الحنين.
وتنتصر مصر، فيفرح بها من لم تطأ قدماه أرضها، ولم يعرف شوارعها إلا عبر الكتب والأغاني والأفلام.
وتهز قطر أو السعودية أو تونس أو الجزائر أو العراق أو الأردن شباك منافس كبير، فتتعالى الصرخات في بيوت عربية لم يزرها لاعبو ذلك المنتخب يومًا، ومع ذلك يشعر أصحابها بأن شيئًا يخصهم قد تحقق.
ذلك لأن الشعوب العربية لا تنظر إلى هذه المنتخبات بوصفها فرقًا وطنية فحسب، وإنما ترى فيها جزءًا من صورتها الجماعية، ومن حلم ظل يقاوم كل ما اعترض طريقه.
وقد نجحت السياسة، عبر عقود طويلة، في إنتاج خلافاتها وحدودها وحساباتها، لكنها لم تتمكن من إعادة تشكيل الوجدان الشعبي.
فما زال ذلك الوجدان يحتفظ بمنطقه الخاص، ويستجيب لذاكرة أعمق من كل الوقائع العابرة.
وربما لهذا السبب يبدو الفرح العربي في كأس العالم لكرة القدم أكبر من نتيجة مباراة.
إنه إعلان عفوي عن وجود شعور جمعي ما زال حيًا، مهما تعرض للتعب أو التراجع.
فالمشجع الذي يرفع علم المغرب في الخليج، أو يهتف لمصر في المغرب العربي، أو يصفق للجزائر في بلاد الشام، لا يفكر في خرائط السياسة، وإنما يستجيب لإحساس قديم يرى في نجاح أي منتخب عربي امتدادًا لكرامته المعنوية، وكأن الانتصار يخص الجميع، ولو ارتدى قميصًا واحدًا.
ومن الجميل أن هذه المشاعر لا تحتاج إلى بيانات رسمية، ولا إلى حملات إعلامية، ولا إلى شعارات كبيرة.
إنها تخرج تلقائيًا، وتتحرك بخفة، وتصل إلى الناس لأنها نابعة منهم أصلًا.
ولهذا تبدو أكثر صدقًا وأطول عمرًا من كثير من الخطابات التي حاولت، عبر عقود، أن تشرح معنى الانتماء العربي، بينما كانت مباراة واحدة في كأس العالم لكرة القدم تختصر كل ذلك في تسعين دقيقة.
ولعل أكثر ما يمنح هذه الظاهرة قيمتها أنها تتكرر من غير اتفاق مسبق.
فلا أحد يطلب من الجماهير في الكويت أن تشجع المغرب، ولا من الجمهور في الجزائر أن يحتفل بفوز السعودية، ولا من الفلسطيني أن يفرح لانتصار مصر، ومع ذلك يحدث الأمر تلقائيًا، وكأنه انعكاس لذاكرة عميقة لم تستطع السنوات أن تمحوها.
وحتى الأجيال الجديدة، التي وُلدت وسط انقسامات سياسية وإعلامية حادة، تجد نفسها تنخرط في هذا الفرح نفسه، وكأنها تستعيد شيئًا تعرفه بالفطرة.
وقد تكون كأس العالم لكرة القدم المناسبة الوحيدة التي تمنح الشعوب العربية فرصة لرؤية نفسها من زاوية مختلفة.
فبدل الصورة التي ترسمها نشرات الأخبار، وصور الخلافات التي تملأ الشاشات، تظهر صورة أخرى أكثر هدوءًا وأكثر صدقًا.
صورة أناس يتبادلون التهاني، ويرفعون أعلامًا عربية مختلفة، ويتعاملون مع الفوز بوصفه مناسبة جماعية، لا ملكية حصرية لبلد واحد.
هذه ليست رومانسية سياسية، ولا محاولة لتجميل الواقع، فواقع المنطقة معروف بما فيه من أزمات وتعقيدات.
لكنها ملاحظة تستحق التأمل، لأن ما تكشفه الملاعب أحيانًا يقترب من الحقيقة أكثر مما تكشفه قاعات التفاوض.
فالسياسة تصنع توازناتها وفق المصالح، أما الشعوب فتتحرك وفق عواطفها، والعاطفة حين تستند إلى تاريخ طويل تصبح أكثر رسوخًا من كثير من الاتفاقات المؤقتة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك