حين تصبحُ العربية ضرورةً لا شِعَارًاهذه ليْست كلمة وُلدت على مكتب بارد، ولا فقرة صيغت لتزيين مناسبة عابرة؛ هذه شهادة كتبتها بنبض القلب، وبخبرة معاشرة طويلة للعربية بحثا وتدريسا واهتماما وتدبيرا إداريا امتد عقودا.
جئت إليها من قاعة الدرس، ومن رائحة الكتب، ومن تعب التصحيح، ومن أسئلة الطلبة، ومن صمت الوثائق الإدارية حين تختنق اللغة داخلها، ومن منصات المؤتمرات والندوات داخل المغرب وخارجه، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
لذلك لا أقدم بين أيديكم درسا في الحماسة، ولا أرفع شعارا مستعارا، ولا أتكلم باسم أحد.
هذه كلمتي، هذا بياني الشخصي، هذه علاقتي الخاصة بالعربية: لغة عشت معها، واختلفت معها، وخفت عليها، وغضبت لها، وضحكت من بعض حراسها، وازددت يقينا أن أخطر ما يهددها ليس خصومها الظاهرين، وإنما أولئك الذين يمدحونها كثيرا ويخدمونها قليلا.
من مديح العربية إلى العمل بهاكيف تسكن العربية تفاصيل حياتنا اليومية، ثم تقف عاجزة عند أبواب القرار والمعرفة والمؤسسة؟ كيف تحمل ضحكة الأم، ووصية الأب، وشتيمة السائق، ونكتة الجار، ودعاء الجدة، ورسالة العاشق، ثم نجدها ضعيفة حين نحتاج إليها في مدرسة، أو إدارة، أو جامعة، أو شاشة؟ أي لغز هذا الذي يجعلنا نعيش بها في أعماقنا، ثم نتخلى عنها حين نريد أن نبدو أكثر حداثة وأناقة ومعرفة؟ وهل تخاف العربية من اللغات الأخرى حقا، أم تخاف منا نحن؟ هل يهددها من يتعلم الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، أم يهددها من يحولها إلى شعار أجوف، ومن يضعها في الواجهة مثل صورة قديمة، ثم يترك الغبار يأكل معناها؟ أليست اللغة كائنا حيا يحتاج إلى استعمال وذكاء وذوق، لا إلى صراخ وخطب وحنين ثقيل؟في البيت، تبدأ الحياة الأولى للعربية.
لا يتعلم الطفل الحب من قاموس؛ يتعلمه من نبرة أمه حين تقول له: تعال.
ولا يفهم الخوف من درس نظري؛ يفهمه من صوت أبيه حين يحذره من النار أو الطريق.
أما الجدة، فلا تلقي محاضرة في التراث؛ تحكي قصة، وتزرع مثلا، وتكرر دعاء.
هنا تبدو العربية دافئة، قريبة، وحية.
ومع ذلك، نرتكب خطأ قاسيا حين نترك الطفل يظن أن هذه اللغة تصلح للحنان فقط، وأن النجاح الحقيقي يبدأ حين يتحدث أمام الضيوف بلغة أجنبية.
نضحك حين ينطق كلمة أجنبية، ونصحح له العربية بوجه عابس.
هكذا نضع أول حجر في جدار الخجل.
في البيت يظهر تناقضنا المضحك والمؤلم.
نقول للطفل: حافظ على لغتك، ثم نملأ عالمه بألعاب وكتب وشاشات لا تمنح العربية إلا مساحة ضيقة.
نريده أن يحب العربية، لكننا نقدمها له في شكل أوامر: لا تقل هذا، لا تكتب هكذا، لا تخطئ هنا.
والطفل لا يحب لغة تأتيه دائما ومعها عصا حمراء؛ يحب لغة تفتح له اللعب والسؤال والخيال.
لذلك تحتاج العربية في البيت إلى حنان ذكي: حكاية جميلة، كتاب قريب من عمره، حوار حي، لعب بالكلمات، ضحك لغوي، ومساحة آمنة للخطأ؛ لا مراقبة بوليسية للحروف والحركات.
ثم تأتي المدرسة، وهناك تتلقى العربية الضربة الكبرى.
يدخل التلميذ القسم وهو يحمل لغة نابضة بالحياة، جمعها من البيت والشارع، فتستقبله المدرسة أحيانا بنصوص باهتة وقواعد جافة.
كان يمكن أن تقول له: فكّر بالعربية، لكنها تقول له غالبا: احفظ.
وكان يمكن أن تدربه على بناء رأي، فإذا بها تدربه على استرجاع فقرة جاهزة.
وكان يمكن أن تجعله يرى اللغة أداة لفهم العالم، فإذا بها تحصره بالإعراب والإنشاء والامتحان.
عندئذ تتحول العربية في ذهنه من فضاء حر إلى دفتر ثقيل، ومن هنا ينمو الجفاء.
لا يكره التلميذ اللغة نفسها، يكره الطريقة التي حاصرناها بها.
وفي المدرسة نرى الدليل كل يوم.
يكتب تلميذ موضوعا عن الأم، فيكرر العبارات نفسها: الأم نبع الحنان، الأم مدرسة، الأم تاج فوق الرأس.
ولا يسأله أحد: ماذا رأيت في أمك أنت؟ كيف تتعب؟ كيف تصمت؟ كيف تخاف عليك؟ كيف تحمل البيت على كتفيها؟ ويكتب تلميذ آخر عن الوطن، فيغرق في كلمات كبيرة لا يعرف وزنها.
يصحح المعلم الأخطاء، وهذا ضروري، لكنه ينسى أحيانا أن يسأل عن الفكرة.
ومن دون فكرة، تصير اللغة زينة لفظية.
ومن دون تجربة، تصير الجملة جسدا من ورق.
وفي الشارع، تستعيد العربية قوتها الفطرية.
في السوق، يبيع التاجر بالكلمة: يفاوض، يضحك، يغضب، ويستعطف.
وفي الحافلة، قد تقول امرأة جملة واحدة تهزم محاضرة كاملة عن الصبر.
وفي المقهى، يختصر الناس السياسة والاقتصاد والكرة والأسعار في تعليقات سريعة ساخرة.
العربية هنا مرنة كالماء؛ تعرف كيف تغير شكلها دون أن تفقد روحها.
إلا أن الشارع نفسه يكشف عقدتنا القديمة: محل بسيط يبيع خبزا أو عصيرا يضع اسما أجنبيا عريضا، كأن الحروف العربية ستنقص من قيمة ما يبيع.
وصاحب المقهى يكتب قائمته بخليط لغوي، نصفه استعراض ونصفه ارتباك.
نضحك من المشهد، ثم نكتشف أننا نضحك من أنفسنا، ومن خوف صغير يسكننا: خوف أن تبدو لغتنا أقل أناقة من سِلعة عابرة.
وفي المجتمع، تتحول اللغة إلى مرآة طبقية.
من يتحدث بعربية سليمة يراه بعضهم متشددا أو قديما، ومن يخلط كلامه بألفاظ أجنبية يراه بعضهم عصريا، حتى إن كانت فكرته فقيرة ومحدودة.
صارت اللغة عندنا أحيانا لباسا اجتماعيا؛ من يكسو كلامه بكلمات أجنبية يبدو كأنه دخل نادي الحداثة، ومن يتمسك بالعربية يبدو كأنه خارج الزمن.
وهذا وهم يسيء إلى العربية وإلى اللغات الأجنبية معا.
فاللغة الأجنبية ليست عطرا نرشه على كلام ضعيف حتى يبدو عميقا، والعربية ليست ثوبا تقليديا نخرجه في المناسبات ثم نعيده إلى الخزانة.
كلاهما أدوات معرفة وتفكير، وقيمة الإنسان لا تصنعها الزينة اللغوية، وإنما يصنعها وضوح فكرته وصدق تعبيره.
أما في الإدارة، فيظهر الوجه العملي واليومي للأزمة.
يحتاج المواطن إلى وثيقة أو خدمة أو جواب، فيجد أمامه لغة معقدة، أو خليطا من المصطلحات التي لا تقوده إلى حقه.
فيضطر إلى الاستعانة بشخص آخر كي يشرح له ما كان يفترض أن يكون واضحا من البداية.
هنا لا نتحدث عن جمال الأسلوب؛ نتحدث عن العدالة.
فحين لا يفهم المواطن لغة الإدارة، يخسر جزءا من قوته وقدرته على المطالبة.
وحين تكتب المؤسسات بلغة بعيدة عن الناس، فإنها تصنع مسافة باردة بين القرار والحياة.
العربية في الإدارة لا تحتاج إلى زخرفة ولا إلى استعراض لغوي؛ تحتاج إلى دقة ووضوح.
الجملة الإدارية الجيدة لا تستعرض عضلاتها، وإنما تخدم المواطن، وتفتح له الطريق، وتجعله يعرف ما له وما عليه.
وفي السياسة، تبلغ المفارقة ذروتها.
يطلب السياسي التصفيق بالعربية، ثم ينتقل إلى لغة أخرى حين يريد أن يقدم نفسه خبيرا.
يخاطب الناس بعبارات حماسية مفهومة، ثم يملأ البرامج والمذكرات بمصطلحات لا تصل إلى معظمهم.
كأنه يقول للمواطن: أحتاج إلى لغتك حين أطلب صوتك، وأغادرها حين أقرر مصيرك.
هذه ليست مسألة لغوية فحسب؛ إنها مسألة سلطة.
فالذي يملك اللغة التي تصاغ بها القرارات، يملك جزءا من القرار نفسه.
لذلك لا تحيا العربية في السياسة حين يرفعها أحدهم في خطاب ناري، وإنما تحيا حين تصبح لغةَ القانون، والاقتصاد، والتخطيط، والمساءلة.
توجد قضية أخرى أكثر خفاء، لا تقل خطورة: العربية في المستشفى.
يدخل المريض خائفا، فيسمع أسماء التحاليل والأدوية بمصطلحات لا يفهمها، فيهز رأسه كأنه فهم، ثم يخرج حاملا وصفة تشبه رسالة سرية.
هنا لا يتعلق الأمر بالفصاحة، وإنما بجسد إنسان وقلقه وحقه في الفهم.
وحين لا يجد المريض شرحا عربيا واضحا، يتحول المرض إلى خوف مضاعف.
فالطب الذي لا يشرح للناس ما يحدث لأجسادهم بلغتهم، يتركهم نصف مرضى ونصف تائهين.
وفي سوق الاستهلاك، لا تغيب العربية تماما؛ إنها تظهر على العلب واللافتات والإعلانات، لكنها تظهر غالبا في موقع هامشي.
الاسم الأجنبي يحتل الواجهة، عريضا وواثقا، أما الشرح العربي فينكمش في زاوية صغيرة، كأنه واجب قانوني لا اختيار ثقافي.
نمر أمام هذه التفاصيل كل يوم، نشتري المنتجات، ونستعملها، ولا ننتبه إلى أن لغتنا وُضعت في الأسفل مثل عامل صامت لا يُطلب منه إلا الحضور الشكلي.
يفهم الإعلان هشاشتنا جيدا؛ يعرف كيف يخاطب عقدة النقص قبل الحاجة، وكيف يبيع السلعة ومعها صورة زائفة عن الرقي والحداثة.
هنا تتجاوز اللغة وظيفتها الأولى بوصفها أداة تواصل، وتصبح جزءا من صناعة الرغبة، ومن ترتيب الناس في طبقات وهمية: من يبدو أكثر حداثة، ومن يبدو أرقى، ومن يُسمح له أن يشعر بأنه أقرب إلى العالم.
العربية ضدّ الخجل والكسل والخوفومن هنا تستحق علاقة العربية باللهجات وقفة أكثر شجاعة.
فهناك من يضع الفصحى في برج عال، وينظر إلى اللهجات كأنها انحراف شعبي عن الأصل.
وهذا ظلم لغوي وفكري في آن واحد.
اللهجات ليست خصما للفصحى؛ هي مختبر الحياة اليومية.
فيها النكتة والغضب والحنين والذكاء السريع، وفيها أيضا تلك العفوية التي تجعل اللغة قريبة من نبض الناس.
وتبدأ المشكلة حين نضع الفصحى في مواجهة اللهجة، كأن الأم تنافس ابنتها.
الفصحى تمنحنا اتساع الأفق، واللهجة تمنحنا دفء القرب.
واللغة التي تفقد قربها تتحول إلى خطاب بارد، كما أن اللغة التي تفقد أفقها تنكمش في محلية ضيقة.
الذكاء أن نبني بينهما سُلَّمًا لا جِدَارًا؛ سُلَّما يصعدُ باللهجة نحو التعبير الأوسع، ويُعيد الفصحى إلى حياة الناس، قريبة منهم، مفهومة بينهم، وحاضرة في يومهم.
وتبقى الترجمة واحدة من أخطر القضايا وأكثرها إهمالا.
فَكلُّ أمّة لا تترجمُ بكثافة تعيش على فُتات المعرفة، وتظلُّ تابعة لما ينتجه غيرها من أفكار ومفاهيم.
والعربية تحتاج اليوم إلى حركة ترجمة كبرى، لا إلى نقل مدرسي، حركة تنقل العلوم والفلسفات والروايات والنظريات والمفاهيم الجديدة إلى عربية دقيقة وجميلة.
الترجمة ليست اعترافا بضعف العربية؛ هي تمرين عملي على قوتها.
فاللغة التي تستقبل أفكار العالم وتعيد صياغتها تكبر وتتجدّد، أما اللغة التي تغلق الباب على نفسها فتتحوَّل تدريجيا إلى ذاكرة نائمة.
ومع الترجمة ينهض سؤال التكنولوجيا.
تظهر محنة العربية اليوم في الهاتف الذكي.
يكتب الشاب رسالة إلى أمه بالعربية، فيترك لجهازه أن يصحح الكلمة على هواه، وأن يقترح عليه عبارات باردة لا تشبه صوته.
الكارثة لا تكمن في الجهاز؛ تكمن في أن الإنسان بدأ يسلم ذاكرته اللغوية لآلة صغيرة.
صار الهاتف يختار الكلمة، ويتمم الجملة، ويقترح التعزية والتهنئة والاعتذار.
وهنا ينهض سؤال مخيف: حين يتكلم الجهاز نيابة عنا، هل تبقى اللغة مرآة للروح، أم تتحول إلى قناع جاهز تبيعه الشركات مع كل تحديث جديد؟العربية التي خانها المادحُونونصل هنا إلى أخطر فئة: المدافعون السيئون عن العربية.
يظن هؤلاء أنهم حراس المعبد، فيما يفتحون الشقوق في جدرانه من الداخل.
يرفع أحدهم صوته دفاعا عنها، ثم يكتب جملة مرتبكة.
يهاجم الشباب لأنهم يخطئون، ولا يرشدهم إلى طريق يتعلمون به.
يحوّل العربية إلى معركة أخلاقية مفتوحة، كأن كل هفوة إملائية خيانة كبرى.
لا يخاف المرء من عدو اللغة الواضح قدر خوفه من محب جاهل يحمل سيفا صدئا، فيجرح به كل من يحاول الاقتراب منها.
هؤلاء لا يحمون العربية؛ يجعلونها مساحة للخوف.
وحين يتحدث بعض الناس عن حماية العربية، يتحدثون كأنهم يحرسون مقبرة.
يحيطونها بالأسوار، ويمنعون عنها الضحك والتجديد، ويطلبون من الناس أن يدخلوها بوجوه حزينة، كأن اللغة لا تستحق الحياة إلا إذا بدت عابسة.
هؤلاء يخافون على العربية من الخطأ، ولا يخافون عليها من الملل.
فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ الناس فيها، وإنما أن يهربوا منها لأنها تحولت في أعينهم إلى امتحان دائم ومحكمة مفتوحة.
لذلك نحتاج إلى دفاع آخر عن العربية: دفاع هادئ، عملي، وشجاع.
يبدأ الدفاع الحقيقي حين نكتب بها علما مفهوما، ونشرح بها مفهوما معقدا، وننتج بها محتوى جيدا للأطفال، ونصنع بها فيلما ذكيا، وننجز بها بحثا دقيقا، ونكتب بها رسالة إدارية واضحة، ونمنحها مكانا طبيعيا في التكنولوجيا.
لا نريد عربية المهرجانات والخطابات الاحتفالية، نريد عربية المختبر والمكتب، والشارع، والبيت، والشاشة.
لا يعني حب العربية كراهية اللغات الأخرى.
فمن يتعلم لغات كثيرة يوسع عقله، ويمنح نفسه قدرة أعمق على الفهم والتواصل.
المشكلة لا تكمن في تعلم الإنجليزية أو الفرنسية، تكمن في تحويل العربية إلى علامة نقص، وفي جعلها تبدو كأنها عائق أمام الحداثة.
اللغة الأجنبية نافذة، والعربية بيت.
والإنسان الذكي يفتح النوافذ ليدخل الضوء، ولا يهدم بيته كي يثبت أنه معاصر.
لذلك نحتاج إلى ثقة لا إلى خوف، وإلى طالب يكتب بالعربية دون خجل، ويتعلم لغات أخرى دون عقدة.
العربية التي تدافع عن نفسها بالحياةمن مجمل الاعتبارات السالفة أقول: لا تسألنا العربية عن عدد القصائد التي قلناها في مديحها، ولا عن الخطب التي رفعناها باسمها، ولا عن الدموع التي ذرفناها على أطلال مجدها.
إنها تواجهنا بسؤال أبسط وأقسى: ماذا فعلتم بي في يومكم العادي؟ هل جعلتموني لغة تفكير أم لغة زينة؟ هل أدخلتموني إلى المدرسة حية، أم سلمتموني إلى الحفظ والخوف؟ هل منحتموني مكانا في الإدارة والطب والقانون والعلم والتكنولوجيا، أم تركتموني معلقة على الجدران وفي المناسبات؟ هل عاملتموني كبيت تسكنونه، أم كصورة قديمة تتفاخرون بها أمام الآخرين؟لا تحتاج العربية إلى من يبكي عليها؛ إنها تحتاج إلى من يعمل بها.
لا تحتاج إلى حراس يحوّطونها بالخوف، وإنما تحتاج إلى أحياء يمنحونها استعمالا جديدا كل يوم.
فاللغة لا تموت حين تزاحمها لغات أخرى، وإنما تموت حين يكف أهلها عن الحلم بها، والتفكير بها، والاختراع بها.
وإذا لم نحرر العربية من المديح الكسول، ومن الدفاع الغاضب، ومن القداسة التي تجمدها، فلن نكون قد أحببناها حقا، سنكون قد حبسناها في قفص جميل.
العربية التي نحتاجها ليست عربية الماضي وحده، ولا عربية الشعارات، ولا عربية الامتحان، ولا عربية الخوف من الخطأ.
نحتاج عربية تمشي في الشارع، وتفكر في المختبر، وتشرح في المستشفى، وتقرر في الإدارة، وتبتكر في التكنولوجيا، وتضحك في البيت، وتحب في الرسائل، وتترجم العالم دون أن تفقد نفسها.
نحتاج لغة لا نحملها ميراثا ثقيلا على أكتافنا، وإنما نَسْكُنها قدرة مفتوحة على المستقبل.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: هل ستبقى العربية؟ السؤال الأعمق هو: أي عربية نريد أن تبقى؟ أهي عربية نحبسها في الذاكرة، أم عربية تدخل الغد بثقة؟ العربية لن تحيا لأننا نقول إنها عظيمة؛ ستحيا حين نجعلها ضرورية.
وحين تصبح العربية ضرورية في المعرفة، والعمل، والعدالة، والخيال، عندئذ لن نحتاج إلى الدفاع عنها كثيرا، لأنها ستدافع عن نفسها بالحياة.
-نصّ المداخلة التي شاركت بها في ندوة ” واقع اللغة العربية ورهانات العدالة اللغوية ” بمقر جمعية رباط الفتح يوم الخميس 18 يونيو 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك