قناة القاهرة الإخبارية - اتصالات إسرائيلية ولبنانية لبحث تنفيذ انسحاب تجريبي من منطقتين في جنوب لبنان قناة التليفزيون العربي - اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال لتتصاعد ببلدات وقرى الضفة الغربية تكتيكات كرة القدم - البرازيل بلا شخصية .. وهالاند يكتب التاريخ قناة القاهرة الإخبارية - المفاوضات الأمريكية الإيرانية تتجدد في باكستان.. هل تقود الجولة المقبلة إلى اتفاق مرتقب؟| تغطية خاصة العربي الجديد - بحر غزة ملاذ المصطافين رغم العجز في طواقم الإنقاذ قناه الحدث - أجهزة الإطفاء في جنوب أوروبا تكافح حرائق بدأ موسمها مبكراً العربي الجديد - دفن الوديعة... رحلة الموتى المتكررة في حروب لبنان العربي الجديد - النرويج بقيادة هالاند تُخرج البرازيل من كأس العالم قناه الحدث - مدرب فرنسا يحيط مبابي بـ"حراسة خاصة" خوفاً من اعتداء لاعبي باراغواي العربية نت - "دموع نيمار".. مشهد مكرر في كل خروج للبرازيل من كأس العالم
عامة

من الكأس إلى الغرفة.. مأساة النزوح تعيد مهنة صناعة الطين إلى غزة

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

أعاد الاحتلال الإسرائيلي أهل قطاع غزة إلى حرف الأجداد واستعمالات بدائية ظنّ الناس أنها بقيت في ذاكرة البيوت القديمة، بعدما أغلق المعابر ومنع إدخال أبسط مستلزمات الحياة.في ورشة صغيرة ببلدة الزوايدة و...

أعاد الاحتلال الإسرائيلي أهل قطاع غزة إلى حرف الأجداد واستعمالات بدائية ظنّ الناس أنها بقيت في ذاكرة البيوت القديمة، بعدما أغلق المعابر ومنع إدخال أبسط مستلزمات الحياة.

في ورشة صغيرة ببلدة الزوايدة وسط القطاع، صوت ماكينة الفخار أول ما يستقبل الداخل، ورائحة الطين تملأ المكان، بينما تصطف الأباريق والصحون والجرار وأوعية الطبخ وكرسي الحمّام، إلى جانب طوب طيني يرتفع تدريجيا ليصنع غرفة صغيرة تستعيد بها عائلة نازحة شيئا من الستر والكرامة.

بعد فقدان بيته ومصنع الفخار الذي ورثته عائلته منذ نحو قرن في حي الدرج بمدينة غزة، أعاد جعفر عطالله إحياء مهنة أجداده في مكان نزوحه الجديد وسط القطاع، فحوّل الطين من أواني ماء وطعام إلى بدائل صحية وسكنية فرضتها حاجة الناس، ويعمل اليوم على بناء منزل كامل من التبن والطين.

نزح جعفر عطالله من حي الدرج بمدينة غزة إلى وسط القطاع، عقب اجتياح الاحتلال الإسرائيلي منطقة سكنه ومصنعه.

يقول جعفر" فقدنا المصنع والبيت والآلات والقوالب والأفران والمخزون، وبدأنا من الصفر في مكان النزوح".

هناك في المصنع القديم تعلّم وهو طفل كيف يروّض الطين بيديه، ومع تهدّم البيت والمصنع فقد الرجل مكان العمل وذاكرة العائلة المهنية في لحظة واحدة.

ويضيف متألما من الفقد" تعلمت صناعة الفخار وأنا في السابعة، وهي مهنة ورثناها عن أجدادنا منذ نحو 100 عام".

يتحرك جعفر بين أكوام الطين والقوالب الخشبية بيدين غطاهما الطين حتى المعصمين، يرفع قطعة ويعدّل حافتها، ثم يضعها جانبا بين عشرات القطع التي تنتظر أن تجف تحت أشعة الشمس.

في حركته تظهر خبرة مهنة بدأها طفلا، ثم عاد إليها من الصفر بعد فقدان مصنعه وبيته.

بدأ جعفر العمل من حاجة الناس إلى كأس ماء وإبريق وصحن ووعاء طبخ، ثم دفعته الأسئلة اليومية إلى حاجات أشد حساسية: كيف تحفظ العائلة خصوصيتها؟ كيف تحمي أطفالها من البرد والغبار والقوارض؟يقول جعفر وهو يربّت بيديه على كتلة طين أمامه" اليوم الناس تطلب ما تحتاجه للحياة، من كأس الماء إلى كرسي الحمّام، ثم وصلنا إلى فكرة الغرفة الطينية".

ثلاثة أعوام مرّت على شوارع رملية مكتظة بالخيام، وشوادر وأقمشة بالية تلتف حول الناس، وليال طويلة من الأرق والخوف والقوارض.

وسط هذا الواقع، صار الحائط الصلب مطلبا يوميا، وصارت الغرفة الصغيرة حلما عمليا تصنعه الأيدي من الطين، طوبة فوق أخرى، كي يجد الإنسان مكانا يسند إليه ظهره بعد يوم مفتوح على الغبار والازدحام.

في السوق، صار الحصول على بعض المستلزمات الصحية مرهونا بالسعر والقدرة على الوصول إليها.

ويقول جعفر إن كرسي الحمّام الذي كان يباع قبل الحرب بنحو 600 شيكل (نحو 200 دولار)، وصل اليوم إلى أكثر من 1400 شيكل (نحو 466 دولارا) إذا توفر، وهو مبلغ يتجاوز قدرة عائلات كثيرة تعيش على المساعدات أو ما تبقى من مدخرات؛ لذلك صار الطين، بما يتيحه من صناعة محلية، طريقا اضطراريا لتوفير بدائل تناسب حاجة الناس.

ومن ماكينة الفخار التي يصنع عليها جعفر عطالله أواني العيش، إلى الطوب الذي ارتفعت منه غرفة صغيرة، تابعت الجزيرة نت على مدار أسبوع مراحل هذه التجربة، من غربلة الطين وتجهيزه، إلى تشكيل القوالب وتجفيفها، حتى اكتمال غرفة طينية تحفظ قدرا من كرامة الفلسطيني في غزة.

غرفة طينية مساحتها 16 مترا مربعايشرح جعفر طريقة العمل وهو يشير إلى الأرض التي ستقوم عليها غرفة بمساحة 4 أمتار طولا و4 أمتار عرضا.

يثبّت قطعة حديد في مركز المساحة، ويمد منها حبلا يستخدمه لرسم دائرة الغرفة وتحديد حدودها الأولى.

بعد تحديد المساحة، تبدأ مراحل العمل بالحصول على التربة الطينية وغمرها بالماء حتى تتشبع وتلين، ثم تُخرج وتُعجن مع مادة التبن التي تمنحها الصلابة والتماسك وتساعدها على مقاومة التشقق.

بعدها يمر الطين عبر قوالب خشبية ليأخذ شكل الحجر الطوبي، ثم يُفرَد في مكان مفتوح ويُغطى لحمايته من الغبار وتقلبات الجو، ويُترك تحت الشمس 4 أو 5 أيام حتى يجف ويتماسك.

ومع جاهزية الطوب، يحفر جعفر محيطا خارجيا بعرض طوبتين، ثم يملؤه بالطين الخالص ليحمي أساس البناء من مياه الشتاء.

بعدها يبدأ بترتيب الطوب طبقة فوق أخرى وفق المخطط الأولي للمساحة المحسوبة.

وأثناء البناء يستخدم جعفر ما توفر بين يديه من بدائل، ولتشكيل قوس الشباك، يضع إطار سيارة قديما داخل فتحة الجدار، ثم يرص حوله الطين والطوب بعناية حتى تأخذ الفتحة شكلها الثابت.

وعلى مدار 7 أيام من العمل والتغطية، يتبقى بناء سقف الغرفة، وحسب جعفر فإن بناء الغرفة يحتاج إلى عشرة أيام عمل متواصل، بين نقع الطين وعجنه وتجفيفه ورصّه.

ترتفع معظم جدران الغرفة الطينية بالتدريج، ومع ارتفاع الطوب بشكل دائري، تضيق الفتحة في الأعلى شيئا فشيئا حتى يقترب السقف من الاكتمال.

في الداخل، تبدو الغرفة أهدأ من الخيمة وأشد ثباتا أمام الهواء والغبار، ويقول جعفر إن الطين يمنحها برودة في الصيف ودفئا في الشتاء، فيما تمنح ساكنها مساحة مغلقة، وجدارا يسند إليه ظهره، وحدا أدنى من الخصوصية.

ويكمل عن فكرة الغرفة" إذا كان الطين يصنع الإبريق والطنجرة، فهو قادر أيضا على صناعة غرفة تحمي الناس وتمنحهم مكانا يستندون إليه".

يبدأ جعفر عطالله عمله مبكرا، يدخل الورشة ويداه جاهزتان للطين قبل أن يشتد حر النهار، ويبقى انتظام يومه مرتبطا بالكهرباء التي تصل إلى الورشة نحو ساعتين فقط طيلة اليوم، وفي هاتين الساعتين تتحرك الماكينة بسرعة، ويتسابق جعفر مع الوقت لإنجاز أكبر قدر من القطع، ثم يهدأ المكان حين ينقطع التيار، وتتوقف معه مراحل أساسية من الإنتاج.

يقول جعفر" أبدأ عملي من السادسة صباحا، أكون جاهزا للطين والطلبات، ثم أبقى أنتظر الكهرباء؛ الماكينة تنتظر التيار أكثر مما تنتظر يدي".

وبين بداية يوم نشيطة منذ الفجر وساعات كهرباء محدودة، تتراكم الطلبيات.

ويقول جعفر" في كل مرة يتوقف فيها التيار الكهربائي، تتوقف معه قدرة الورشة على تلبية احتياجات الناس، وتدخل الحرفة في خسارة مالية، خاصة أن بعض الطلبات ترتبط بمستلزمات ضرورية داخل الخيام ومراكز النزوح".

وتزداد كلفة العمل من مصدره الأول: الطين.

فبحسب جعفر، كانت الشاحنة التي تحمل نحو 12 ألف كيلوغرام تُشترى قبل الحرب بنحو 500 شيكل (نحو 166 دولارا)، بينما تجاوز سعرها اليوم 1000 دولار، بعد منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الوقود وزيوت السيارات اللازمة لحركة الشاحنات.

وهكذا صار نقل الطين إلى الورشة رحلة مكلفة، قبل أن يبدأ جعفر في نقعه وعجنه وتشكيله داخل القوالب.

انعكست هذه الزيادة على كل قطعة فخار تخرج من يدي جعفر؛ فالإبريق والصحن والوعاء وكرسي الحمّام تحمل اليوم كلفة الطين المرتفع والنقل الشاق والكهرباء الشحيحة والمواد التي يصعب الوصول إليها.

وبحسب تقديره، ارتفعت أسعار المنتجات الفخارية بأكثر من 50% مقارنة بما قبل الحرب، فيما يقبل الناس عليها بوصفها بدائل يومية لما فقدوه من أساسيات الحياة.

يبلغ ارتفاع الغرفة نحو مترين ونصف متر، وهي مساحة صغيرة بحسابات البيوت العادية، واسعة بحسابات الخيمة والنزوح، ويستطيع أفراد العائلة داخلها الوقوف والحركة ووضع بعض الحاجات الأساسية، وفي جدرانها يجدون ما افتقدوه طويلا، وهي حدود واضحة للمكان، وسقف ثابت، وحائط صلب يخفف قسوة العيش بين الشوادر والأقمشة.

وتصل كلفة الغرفة الواحدة إلى نحو 3000 دولار، وهو مبلغ ثقيل على عائلات أنهكتها الحرب وارتفاع الأسعار.

ومع ثقل المبلغ، بدأ الناس يقبلون على طلبها، لأن الحاجة إلى غرفة مغلقة صارت تتقدم على كثير من الاحتياجات.

يقول جعفر إنه تلقى في الأيام الأخيرة استفسارات متزايدة من نازحين عن إمكانية بناء غرف مماثلة قرب خيامهم، خاصة بعد اكتمال النموذج الأول، ومع اتساع الاهتمام بالفكرة، بدأ يطمح إلى خطوة أكبر، وهي بناء منزل طيني كامل يضم غرفتين ومطبخا وحماما، على أن يستكمل داخله ما يحتاجه البيت من مستلزمات مصنوعة من الطين، من أدوات الماء والطعام إلى التجهيزات الصحية، في محاولة لتحويل الحرفة القديمة إلى منظومة عيش كاملة تناسب واقع الناس في النزوح.

فالعائلة التي عاشت أعواما داخل خيمة تعرف قيمة الجدار، وتدرك معنى أن يكون لها مكان يحفظ خصوصيتها، ويقي أطفالها الغبار والبرد والقوارض، ويمنحها قدرا من السكن الآمن.

يقول جعفر إن الإقبال على الغرف الطينية بدأ يتزايد مع اتساع معاناة النازحين وشح مواد البناء وارتفاع أسعارها، ويرى أن الفكرة خرجت من حدود التجربة الفردية إلى حاجة عامة فرضتها ظروف الحرب.

فالطين الذي بدأ عنده كأس ماء وإبريقا وصحنا وكرسي حمّام، صار اليوم غرفة بمساحة 16 مترا مربعا، يحاول الناس عبرها استعادة جزء من معنى البيت.

ويختم جعفر قائلا" الغرفة الطينية صارت حاجة للناس، هم يبحثون عن مكان مغلق بعد سنوات الخيام، وعن جدار يحفظ العائلة وكرامتها".

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك