تصنع الحملات الرقمية المضللة الكثير من الخداع، ما ينجم عنه تآكل الثقة في وسائل الإعلام، والمؤسسات الديمقراطية، وإذا أردنا حماية وتعزيز الحوار الديمقراطي، علينا أن نعزز دور الصحافة الجيدة عن طريق دعم قدرة وسائل الإعلام على الصمود.
وقد انتهى زمن الاكتفاء بتلقي آخر الأخبار عبر البرامج التلفزيونية والصحف المطبوعة، وحتى المواقع الإخبارية الإلكترونية، فقد شهدنا خلال العقود الماضية تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تؤدي دوراً حيوياً في إيصال الأخبار والمعلومات إلى الجمهور.
وتعد وسائل الإعلام التقليدية الآن بطيئة للغاية أو مؤسسية بصورة مبالغ بها مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي وعصر الخوارزميات، لكن مع انتشار المحتوى الناجم عن الذكاء الاصطناعي، والمعلومات المضللة والخداع الرقمي، فهل ستكون الصحافة التقليدية الخط الأخير للدفاع عن الحوار الديمقراطي الصحي؟ويمكن القول إننا نعيش الآن حقبة حاسمة في ما يتعلق بأنظمة الإعلام والاتصالات، وبصفتي متخصصة في مجال الاتصالات، عملت خلال السنوات الماضية في قلب عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، وراقبت تحولات ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وكذلك في المؤسسات، وأود القول إن «قيمة وسائل الإعلام التقليدية، بالنظر إلى التحديات الحالية في مجال المعلومات، لا تتزايد فحسب، بل أصبحت أكثر أهمية لجميع المجتمعات الديمقراطية، وينبغي عدم التعامل مع الصحافة الجيدة بوصفها منتجاً تجارياً، بل بنية تحتية للديمقراطية».
ويقدم أحدث تقرير صادر عن معهد «رويترز»، الذي يركز على تحليل اتجاهات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026، صورة قاتمة للمشهد الإعلامي الحالي، وهذه ليست مبالغة، فالبيانات تتحدث عن نفسها.
ويسلط التقرير الضوء على أن الجمهور الشاب المهتم بالصحافة يميل إلى الحصول على المعلومات من خلال الموجزات المخصصة خوارزمياً، في حين يبدو أن ما يزيد قليلاً على ثلث عينة المحررين والرؤساء التنفيذيين والمسؤولين الرقميين، أي 38% فقط كانوا متفائلين بشأن مستقبل الصحافة عام 2026.
ووفقاً لتقرير معهد «رويترز»، يتوقع الناشرون أيضاً انخفاضاً في حركة الإحالات، حيث تقوم أدوات الذكاء الاصطناعي بتلخيص التقارير دون توجيه الجمهور بالضرورة إلى التقارير الأصلية للصحافيين.
ويشير التقرير أيضاً إلى أننا سنرى انخفاضاً في التفاعل مع وسائل الإعلام التقليدية التي قد تدفع بعض صانعي القرارات والسياسيين إلى تجاوز وسائل الصحافة التقليدية وتقدم المزيد من المقابلات إلى صناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
ويبقى التهديد الحقيقي في التضليل وخداع المعلومات الرقمي على شبكة الإنترنت، وتشكل المعلومات المضللة والدعاية تهديداً للديمقراطية، وعلى الرغم من ذلك، يميل المواطنون اليوم إلى تشكيل آرائهم من خلال أنظمة مصممة خصوصاً للتفاعل، ما يجعلهم يعيشون في فقاعات فكرية تغذي الاستقطاب، وتبدو التحديات الناشئة في طريقة استهلاك الجمهور للمعلومات مقلقة، وينبغي عدم تجاهلها.
وطالما كان دور وسائل الإعلام التقليدية، حارساً للبوابة، أساسياً لحوار ديمقراطي سليم، إذ تمتلك أنظمة تدقيق، وحيادية تحريرية، ومساءلة، ومعايير مهنية تفتقر إليها الحسابات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي أو المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.
وغالباً ما تُظهر نتائج الذكاء الاصطناعي، في الوقت ذاته، عدم دقة في إجاباتها عن الأسئلة المتعلقة بالأخبار، أو مشكلات في مصادرها، وعلى الرغم من اعتماد هذه الأدوات على الصحافة المهنية ينبغي عدم استخدامها بوصفها بديلاً.
من جهة أخرى، لن تتمكن الصحافة التقليدية من الدفاع عن الديمقراطية دون التطور في ظل المشهد الإعلامي المتغير باستمرار.
ولا أسعى هنا إلى تجميل الماضي، بل ثمة حاجة ملحة ومستمرة لأن تتكيف وسائل الإعلام بسرعة مع أحدث التغيرات في تفضيلات الجمهور، والفئات العمرية الشابة، والصيغ المرئية والمتوافقة مع الأجهزة المحمولة.
وعلى الرغم من ذلك ينبغي ألا يركز هذا التحول على الانتشار السريع فقط.
فالقيمة المدنية لوسائل الإعلام التقليدية بالغة الأهمية، والديمقراطيات بحاجة إلى صحافة عالية الجودة تعتمد على السياق والتدقيق أكثر من اعتمادها على السرعة.
وبالطبع، يمثل هذا تحدياً لصانع المحتوى السياسي وقادة وسائل الإعلام الذين يحتاجون المحافظة على الإعلام التقليدي كمؤسسة، والتأكد في الوقت ذاته من حماية الظروف اللازمة لإعلام الجمهور وضمان حوار ديمقراطي سليم.
وتتطلب الديمقراطيات جهات وساطة موثوقة، ولذلك تبقى هيئات البث العامة والصحف وغرف الأخبار الموثوقة من بين الجهات القليلة القادرة على خلق فضاء مدني يُتيح التفاعل بين وجهات النظر المختلفة على أساس واقعي مشترك، مع ضمان التحقق والمساءلة والتقارير التي تخدم المصلحة العامة.
ألفيثيليا كاتسي**باحثة يونانية في مجال العلاقات العامة والإعلام عن «بروكسل تايمز».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك