واعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي خالد حمادة خلال حديثه إلى برنامج" التاسعة" على" سكاي نيوز عربية"، أن المشهد القائم لا يمكن مقاربته من زاوية المواجهة العسكرية وحدها، بل من خلال شبكة مترابطة من المصالح الإقليمية، حيث يتقاطع القرار اللبناني مع مسار التفاوض الإيراني الأميركي، فيما يحدد نجاح الدولة في تنفيذ اتفاق الإطار مستقبل الجنوب وإمكانية تجنب مواجهة عسكرية جديدة.
" الانتصار" وفق مهمة" حزب الله" لا وفق نتائج المواجهةيرى حمادة أن توصيف بعض مسؤولي حزب الله لما جرى على أنه" انتصار" يرتبط بطبيعة المهمة التي يؤديها الحزب، وليس بنتائج المواجهة العسكرية مع إسرائيل.
وأكد أن الحزب، إذا كانت مهمته مواجهة إسرائيل، فقد أخفق ميدانيا، معتبرا أن الوقائع العسكرية كافية لإثبات ذلك ولا تحتاج إلى مزيد من الأدلة.
أما إذا كانت مهمة الحزب، بحسب تقدير حمادة، تتمثل في إبقاء لبنان ورقة على طاولة التفاوض الإيراني، وضمان استمرار النفوذ الإيراني في القرار الأمني اللبناني، فإن الحزب يعتبر نفسه قد نجح في تحقيق هذه الغاية، إذ ما زال قادراً على توفير أوراق مفيدة لطهران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
وشدد حمادة على أن الهدف الأساسي للحزب ليس تحقيق توازن ميداني مع إسرائيل أو إلزامها بالانسحاب، وإنما إبقاء لبنان في خدمة المصالح الإيرانية، مستشهدا بتصريحات مسؤولين إيرانيين، بينهم محمد باقر قاليباف، الذين تحدثوا عن آلاف اللبنانيين الذين سقطوا" من أجل طهران"، معتبرا أن هذه التصريحات تعكس طبيعة العلاقة التي يسعى الحزب إلى تكريسها.
وتابع حمادة قائلا إن هذا التوجه لا يمثل الموقف اللبناني العام، بل يعبّر عن رأي أقلية ترفضها شريحة واسعة من اللبنانيين الرافضين لتحويل بلادهم إلى جزء من معادلات التفاوض الإيرانية.
الأكثرية اللبنانية والدعم الداخلي للدولةيفصل حمادة بين المشهد النيابي والواقع الشعبي، معتبرا أن حزب الله وحركة أمل وحلفاءهما لا يشكلون أكثرية داخل مجلس النواب، بل يمثلون أقلية لا تتجاوز، بحسب تقديره، ربع أعضاء المجلس.
كما يرى أن الحزب أخفق، في أكثر من مناسبة، في إثبات امتلاكه أكثرية شعبية، رغم محاولاته حشد الشارع، مؤكدا أن المزاج اللبناني بات في اتجاه مختلف، وأن الحزب لن يتراجع عن مواقفه لأنه، بحسب توصيفه، يؤدي وظيفة تنفيذية مرتبطة بقرار خارجي.
وفي السياق نفسه، شدد حمادة على أن الدعم الذي يحظى به رئيس الجمهورية جوزيف عون لا يأتي من حزب الله، وإنما يستند إلى أكثرية نيابية ووزارية، وإلى تأييد شعبي ومواقف داعمة من الكتل السياسية، معتبرا أن استمرار البحث عن رضا الحزب أو رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يخدم مشروع استعادة الدولة.
اتفاق الإطار.
بين القرار الوطني والضغوط الخارجيةيقدم حمادة قراءة تربط بين أداء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحزب الله، معتبرا أن كلا منهما يتحرك ضمن سقف قرار أعلى منه، فنتنياهو، بحسب رأيه، يخضع للتوجهات الأميركية في الملف اللبناني، كما يخضع حزب الله للقرار الإيراني.
وفي هذا الإطار، يرى حمادة أن نتنياهو يحاول استثمار هامش الحركة المتاح له، ومنه الحديث عن تلة علي الطاهر، فيما يحاول حزب الله وبري، وفق تقديره، المناورة لإظهار أن اتفاق الإطار لن يكتب له النجاح.
ويؤكد حمادة أن القرار الوطني لا يمكن أن يقوم على سياسة الاسترضاء، بل يجب أن يفرض عبر الأدوات الدستورية، محذرا من أن استمرار المساومات يمس بهيبة الدولة اللبنانية ورئاسة الجمهورية.
المناطق التجريبية ومعايير الانسحاب الإسرائيلييلفت حمادة إلى أن الولايات المتحدة تعمل على وضع معايير وإجراءات لتنفيذ ترتيبات استلام المناطق التي ما تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، من خلال الاتصالات التي يقودها المسؤولون الأميركيون، ومن بينهم قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي براد كوبر، إلا أنه يرى أن الدولة اللبنانية لم تنتقل بعد من مرحلة التصريحات السياسية إلى مرحلة الإجراءات التنفيذية الواضحة.
ويضرب حمادة مثالا بمنطقة طُرحت كنموذج تجريبي، حيث يوجد الجيش اللبناني إلى جانب حزب الله، موضحا أن الجيش كان قد أكد سابقا أنه لن ينتشر في قرية يوجد فيها الحزب، بل سيدخل فقط إلى المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
ويرى أن هذه التجربة تكشف جوهر المعضلة، متسائلا: إذا بقي حزب الله موجودا في الميدان، فما الدافع الذي سيدفع إسرائيل إلى الانسحاب؟
منعطف حرج.
وسلاح الحزب في مواجهة مشروع الدولةيصف حمادة المرحلة الحالية بأنها نقطة انعطاف حاسمة، معتبرا أن استمرار الجمع بين انتشار الجيش اللبناني وبقاء سلاح حزب الله لن يقود إلا إلى عدوان إسرائيلي جديد، وهو، بحسب قوله، احتمال بات شبه محسوم.
وفي المقابل، يرفض الطرح القائل إن تنفيذ الدولة لمهامها قد يقود إلى حرب أهلية، مؤكدا أن اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب، يريدون قيام الدولة واستعادة سلطتها، وأنهم لن يقفوا إلى جانب حزب الله في مواجهة الجيش اللبناني.
ويشير إلى أن ما يروَّج عن احتمال وقوع مواجهة داخلية لا يعكس الواقع، بل يمثل، وفق تقديره، خطابا تتبناه بقايا ما يسميه" الدولة العميقة" التي لا تزال تمسك ببعض مفاصل المؤسسات الأمنية والإدارية.
التأخير يفتح الباب أمام واقع جديد في الجنوبفي ختام قراءته، يحذر حمادة من أن استمرار التأخر في تنفيذ المناطق التجريبية وتحويل اتفاق الإطار إلى خطوات عملية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج واقع شبيه بما شهده الجنوب اللبناني خلال فترة الاحتلال.
ويستحضر حمادة تجربة" جيش لبنان الجنوبي"، موضحا أن كثيرا من السكان اضطروا آنذاك إلى التعامل مع إسرائيل لتأمين احتياجاتهم اليومية في ظل غياب البدائل، قبل أن تتغير النظرة إليهم بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
وانطلاقا من هذه التجربة، يرى حمادة أن استمرار التراخي الرسمي سيضع سكان الجنوب، بمختلف طوائفهم، أمام خيارات قسرية لتلبية احتياجاتهم، بما قد يدفعهم تدريجيا نحو التعامل مع إسرائيل، لا بدافع الانتماء السياسي، وإنما نتيجة غياب حضور الدولة.
ويخلص حمادة إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تنفيذ اتفاق الإطار، بل في تأخير تنفيذه، معتبرا أن استمرار التعنت السياسي قد يدفع أبناء الجنوب، شيعة وسنة ومسيحيين ودروز، إلى الارتماء في الحضن الإسرائيلي بفعل الضرورات المعيشية، وهو ما يصفه بأنه المغامرة الكبرى التي تهدد مستقبل الجنوب والدولة اللبنانية معا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك