غزة- لم يكن محمد سعد يبحث بين أنقاض منزله ومستودعه المدمرين في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة عن أثاث يمكن إنقاذه أو مقتنيات ثمينة نجت من القصف والتدمير، بل عن مخزون هائل من كتب جمعها على مدار 35 عاما.
وبين كتل الإسمنت والحديد، كان يرى سعد (59 عاما) في كل كتاب ينتشله من تحت الركام انتصارا ولو صغيرا ومعنويا على حرب لم تستهدف الحجر فحسب، بل طالت الذاكرة والثقافة والإنسان.
كانت مكتبة سعد تحتوي على نحو 100 ألف كتاب في مختلف الآداب والعلوم، وهي واحدة من بين أغلبية المكتبات العامة والخاصة، والمراكز الثقافية، التي دمرتها حرب الإبادة الإسرائيلية كليا وجزئيا.
على مدار 3 أيام متواصلة، خاطر سعد بحياته، وعمل بيديه العاريتين ومن دون أي معدات، لينتشل مئات الكتب من بين أنقاض منزله المكون من 4 طبقات كان يؤويه وأسرته، ويضم مستودعاً للكتب، قبل أن يضطر إلى مغادرته للنجاة بنفسه وأفراد أسرته، مع اندلاع الحرب الأخيرة قبل 33 شهرا.
منذ ذلك الحين تنقل سعد وأسرته في أرجاء القطاع، وخاض تجربة النزوح المريرة نحو 15 مرة، يتنازعه القلق على نفسه وأسرته وكتبه، حتى إذا ما أتيحت له الفرصة، لم يتردد في المغامرة رافضا أن يتركها تدفن تحت الركام.
وبدأت رحلة إنقاذ الكتب من تحت الأنقاض في بيت لاهيا، ووصلت إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث يقيم سعد نازحا مع أسرته في خيمة.
وهناك، وليس بعيدا عن خيمة النزوح، حوّل هذا الرجل المولع بحب الكتب -رغم أن تعليمه توقف عند المرحلة الابتدائية- خيمة متواضعة إلى مكتبة من الكتب الناجية.
لكن الحرب التي لم تتوقف رحاها بعد، ولم تترك لسعد ومكتبته الحد الأدنى من مقومات البقاء، فلا رفوف خشبية ولا خزائن تحفظ الكتب، بسبب انعدام المواد الخام، وارتفاع أسعار الأخشاب، فاضطر إلى صف كتبه على أرض الخيمة، فيما وضع جزءا آخر منها على الرصيف المقابل، معرضة للغبار وتقلبات الطقس.
وفي كل صباح يجلس سعد بين كتبه، ينفض عنها الغبار الذي يتراكم عليها يوما بعد آخر، مدركا أن جهده لا يصمد طويلا أمام الأتربة التي تعود لتغطيها نتيجة حركة المارة والعربات في الشوارع المدمرة، ويقول للجزيرة نت إن أكثر ما يؤلمه هو ضيق المكان وعدم ملاءمته ورؤيته هذه الكتب الثمينة، التي أمضى أكثر من نصف عمره في جمعها، وقد فقدت أبسط وسائل الحفظ والرعاية.
ويتأمل هذا الرجل كتبه المصفوفة على الأرض، ويمسك بأحدها وعنوانه: " فلسطين.
القضية الكونية"، ويقول: " كنت أرى الكتب تحت الركام وكأنها تناديني، لم أستطع أن أتركها هناك، فهي حياتي".
ويضيف" قد يهدمون المنازل والمباني، لكنهم لن ينجحوا في هدم عقولنا.
الكتاب هو ما يبقي الإنسان واقفا صامدا رغم كل شيء".
وكان سعد قد فقد نجله" عاهد" شهيدا، ويعيش حاليا ظروفا قاسية مع أسرته بعدما فقد منزله وكل ما يملك، ومع ذلك فإنه يعرض كتبه للبيع بأسعار رمزية تراعي الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان الذين أضحى معظمهم بلا مصادر دخل بفعل الحرب.
ويؤكد أن هدفه ليس الربح، وإنما تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته المعيشية، إلى جانب إتاحة الكتب لأكبر عدد ممكن من القراء، إيمانا منه بأن نشر المعرفة والوعي لا يقل أهمية عن توفير الغذاء في مجتمع أنهكته الحرب.
وفي إحدى زوايا المكتبة اقتربت الجزيرة نت من همام الطلاع (18 عاما)، بينما كان يمسك كتاب" لكي لا ننسى فلسطين"، وقال: " الحرب دمرت أغلبية المكتبات والمراكز الثقافية في سياسة ممنهجة، هدفها العبث بوعي جيل الشباب".
ورغم حجم الدمار الهائل إلا أن هذا الشاب الذي استشهدت والدته خلال الحرب، يشدد بلغة واثقة على أن مثل" هذه الخيمة رسالة للاحتلال وللعالم بأن الثقافة أقوى من الحرب، وأننا شعب عصي على الانكسار، متمسك بدينه وهويته الوطنية".
ويقول الطلاع، النازح مع أسرته من مخيم المغازي لمدينة دير البلح المجاورة: " قد تدمر الحروب المنازل والمكتبات، لكنها تعجز عن هزيمة الفكرة أو إخماد شغف الإنسان بالمعرفة"، معبرا عن فخره بإصرار سعد على إنقاذ كتبه، والتعالي على الصعاب والمخاطر وافتتاح مكتبة في خيمة، والبيع بأسعار زهيدة، وحتى منح الكتب بالمجان لمن لا يملك ثمنها.
ويتنقل الطلاع بين زوايا المكتبة يقلب صفحات الكتب بين يديه، واختار 3 منها بسعر 5 شواكل (نحو 1.
7 دولار) للكتاب الواحد، وبدا تركيزه واضحا على عناوين تتناول تاريخ وجغرافية فلسطين، وسير الأعلام والشهداء.
وعلى صغر سنه يظهر هذا الشاب وعيا كبيرا واهتماما بمعرفة تاريخ فلسطين عبر العصور، ويؤمن بأن" المعرفة قادرة على إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وبالوعي يمكن مواجهة الاحتلال وهزيمته".
" لكي لا ننسى فلسطين" للدكتور خليل إبراهيم حسونة، هو أحد الكتب التي اقتناها الطلاع، وعنه يقول إنه" كتاب يوثق ويحفظ ذاكرة القرى الفلسطينية التي دمرتها العصابات الصهيونية عام 1948″.
كما يعرض هذا الكتاب تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في فلسطين التاريخية قبل نكبة عام 1948، وجرائم العصابات الصهيونية التي أجبرت سكانها على الهجرة، ويوثق أسماء أكثر من 900 شهيد فلسطيني ارتقوا في معارك الدفاع عن قراهم.
ويقول الطلاع إن هذا الكتاب" مرجع تاريخي يرسخ الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والنسيان".
وفي سياق متصل بالنكبة، يبرز كتاب" أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ" للدكتورة هند أمين البديري، وهو دراسة تاريخية معمقة تكشف زيف الادعاءات الصهيونية حول ملكية الأرض الفلسطينية، وتوثق الحقائق التاريخية والقانونية التي تثبت عروبة فلسطين منذ العصور القديمة وحتى النكبة.
وعن الكتاب الثالث وعنوانه" أرض العروبة: رؤية حضارية في المكان والزمان" للدكتور سليمان حزين، يقلب الطلاع في صفحاته، ويقول إنه دراسة تربط بين الجغرافيا والتاريخ والحضارة العربية، وتوضح دور المكان والزمان في تشكيل الهوية العربية، ويعرض الأزمات والانتصارات التي مرت بها الأمة حتى نهاية القرن العشرين.
ويبرر الطلاع اهتمامه بمثل هذه الكتب بأن" الأرض هي جوهر الصراع مع الاحتلال، واسترجاعها وتحريرها لا يتم بدون الأخذ بأسباب القوة والوعي والمعرفة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك