استشاري أذن وأنف وحنجرة يكشف لـ أثير أن الاستماع عند 100 ديسيبل لا يتحمله السمع إلا دقائق، ويحدد أربع علامات مبكرة وقاعدة 60/60 للوقاية من ضرر لا يعالجه دواء ولا جراحةلم تعد السماعات مجرد أداة للاستماع إلى الموسيقى أو متابعة المقاطع الصوتية، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الأطفال والمراهقين والشباب، في الطريق، وأثناء الدراسة، وخلال ممارسة الألعاب الإلكترونية، وحتى قبل النوم.
ومع هذا الاستخدام المتواصل، يبرز سؤال صحي مهم: هل تحولت السماعات من وسيلة ترفيهية إلى خطر صامت يهدد السمع؟تزداد أهمية هذا السؤال مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية من أن أكثر من مليار شاب حول العالم، بين 12 و35 عامًا، معرضون لخطر فقدان السمع بسبب ممارسات الاستماع غير الآمنة، ومنها استخدام الأجهزة الصوتية بمستويات مرتفعة، والتعرض المتكرر للضوضاء في الأماكن الترفيهية والرقمية.
ولا تكمن خطورة المشكلة في أنها تحدث فجأة، بل في أنها تتراكم ببطء، فضعف السمع الناتج عن الضوضاء لا يظهر غالبًا في يوم واحد، ولا يبدأ دائمًا بفقدان واضح للقدرة على السمع، بل قد يبدأ بطنين بسيط، أو شعور بانسداد الأذن، أو صعوبة في فهم الكلام وسط الضجيج، قبل أن يتحول مع الوقت إلى ضرر دائم.
وفي هذا السياق، قال د.
عامر بن صالح الوردي، استشاري أذن وأنف وحنجرة، لـ “أثير” بأن مشكلة فقدان السمع المرتبط باستخدام السماعات حقيقية وتتفاقم بصمت، مشيرًا إلى أن عيادات الأذن لم تعد ترى ضعف السمع مرتبطًا بكبار السن فقط، بل بدأت تلاحظ حالات لدى شباب في العشرين من العمر يعانون أعراضًا كانت تُلاحظ سابقًا بعد سن الخمسين.
قال د.
عامر الوردي إن مشكلة فقدان السمع المرتبط باستخدام السماعات “للأسف حقيقية وتتفاقم في صمت”، مشيرًا إلى أنه حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، هناك أكثر من مليار شاب حول العالم مهددون بضعف السمع بسبب الضوضاء، ونحو نصف المراهقين يستمعون لأجهزتهم بمستويات صوت عالية وغير آمنة.
وأضاف: في عياداتنا اليوم، لم يعد ضعف السمع مرتبطًا بكبار السن فقط، بتنا نرى شبابًا في العشرين من عمرهم يعانون أعراض فقدان السمع كنا لا نراها إلا بعد سن الخمسين، والسبب بسيط؛ نمط الحياة، فالسماعة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من روتينهم اليومي، من لحظة الاستيقاظ وحتى النوم.
وتشير منظمة الصحة العالمية في صحيفة الحقائق الخاصة بفقدان السمع إلى أن أكثر من 430 مليون شخص حول العالم يحتاجون إلى خدمات تأهيل لمعالجة فقدان السمع المعطل، من بينهم 34 مليون طفل.
كما تتوقع أن يصل العدد بحلول عام 2050 إلى أكثر من 700 مليون شخص، أي ما يعادل شخصًا واحدًا من كل 10 أشخاص.
وتوضح المنظمة كذلك أن فقدان السمع غير المعالج لا يؤثر في القدرة على السمع فقط، بل يمتد إلى التواصل، والتعليم، والعمل، والعزلة الاجتماعية، وجودة الحياة، وهو ما يجعل الوقاية من الضرر السمعي المبكر ضرورة لا تخص كبار السن وحدهم.
وحول تأثير التعرض الطويل للأصوات المرتفعة على الأذن، أوضح د.
عامر أن داخل الأذن، وتحديدًا في “القوقعة”، توجد آلاف الخلايا الشعيرية الدقيقة والمسؤولة عن تحويل الصوت من طاقة حركية إلى إشارات كهربائية يفهمها المخ، وقال: يمكنك تخيل هذه الخلايا مثل حقل من القصب؛ الصوت بمستوياته الطبيعية يمر عليه كنسيم رقيق يتمايل برفق، أما الصوت العالي فيشبه العاصفة التي تكسره.
وأضاف: في البداية، قد ينحني هذا القصب ثم يعود لطبيعته، وهذا يفسر لماذا تشعر بضعف سمع مؤقت بعد التعرض لصوت عالٍ ثم يزول، لكن مع التكرار، تتلف هذه الخلايا وتموت.
وأكد أن الصدمة هنا هي أن الخلايا السمعية عند الإنسان لا تتجدد أبدًا، موضحًا أن الخلية التي يفقدها الإنسان “تذهب بلا عودة”، وأن الضرر يتراكم تدريجيًا دون أن يشعر به الشخص.
وتكمن خطورة هذه الآلية في أن الأذن قد تبدو طبيعية من الخارج، بينما يكون الضرر قد بدأ في الداخل، لذلك فإن غياب الألم لا يعني أن الصوت آمن.
كما أن القدرة على مواصلة الاستماع لا تعني أن الخلايا السمعية لا تتأذى.
علامات مبكرة لا يجب تجاهلهاوعن العلامات المبكرة التي تشير إلى أن استخدام السماعات بدأ يؤثر في السمع قبل الوصول إلى مرحلة فقدانه، قال د.
عامر إن الجسم ذكي ويرسل تنبيهات مبكرة لا ينبغي تجاهلها.
وأوضح أن أبرز هذه العلامات تشمل:- رنينًا أو طنينًا في الأذن بعد نزع السماعة.
- شعورًا بأن الأذن “مكتومة” أو مسدودة.
- ملاحظة أن الشخص يرفع الصوت أكثر من المعتاد لأنه لم يعد يسمع جيدًا بالمستوى القديم.
- صعوبة في فهم الكلام وسط الزحام، أو تكرار جملة: “عفوًا، ماذا قلت؟ ”.
وتعد هذه العلامات مهمة لأنها تظهر قبل أن يدرك الشخص وجود مشكلة حقيقية، فالشاب قد يظن أن الطنين أمر عابر بعد الاستماع الطويل، أو أن الشعور بانسداد الأذن سيختفي لاحقًا، لكنه في الحقيقة قد يكون مؤشرًا مبكرًا على أن الأذن تلقت جرعة صوتية أعلى من قدرتها على الاحتمال.
لماذا الأطفال والمراهقون أكثر عرضة؟وفيما يتعلق بكون الأطفال والمراهقين أكثر عرضة لمخاطر فقدان السمع الناتج عن الأجهزة الصوتية، أوضح د.
عامر أن الأجيال الجديدة يبدأون استخدام السماعات في سن مبكرة جدًا؛ ما يعني سنوات أطول من التراكم.
وأضاف أن قلة وعي الشباب بهذا الخطر، والاندفاع لرفع الصوت للاستمتاع بالموسيقى أو الألعاب، يزيدان من احتمالية تعرضهم لمستويات صوت غير آمنة.
وتزداد حساسية هذه الفئة لأنها لا تنظر غالبًا إلى السمع كنعمة قابلة للفقد، بل تتعامل مع السماعات كجزء طبيعي من الترفيه والدراسة والتواصل.
كما أن الاستخدام المبكر يعني أن الضرر قد يبدأ قبل سن البلوغ، ويتراكم خلال سنوات المدرسة والجامعة والعمل.
وتوصي المعايير الدولية للاستماع الآمن بأن تتضمن الأجهزة الشخصية خصائص تساعد المستخدمين على متابعة “الجرعة الصوتية”، وتنبيههم عند تجاوز مستويات الاستماع الآمنة، إلى جانب توفير أدوات للتحكم الأبوي في أجهزة الأطفال.
نوع السماعة أم مستوى الصوت؟وعن الفروق بين السماعات السلكية واللاسلكية، أوضح د.
عامر أن النوع أقل أهمية من “شدة الصوت ومدة التعرض”.
وقال: في الحقيقة النوع أقل أهمية من شدة الصوت ومدة التعرض، لكن السماعات داخل الأذن قد تعزل الصوت الخارجي بشكل أقل، فيرفع المستخدم الصوت، أما السماعات العازلة للضوضاء قد تكون أكثر أمانًا إذا استُخدمت بشكل صحيح لأنها تقلل الحاجة لرفع الصوت، لذلك جودة العزل هي المهمة بالإضافة إلى الشدة والمدة.
وتعني هذه النقطة أن شراء سماعة حديثة أو غالية لا يجعل استخدامها آمنًا تلقائيًا.
كما أن السماعة اللاسلكية ليست أخطر بالضرورة من السلكية، فالخطر الحقيقي يتحدد بالدرجة الأولى بمستوى الصوت، ومدة الاستماع، وعدد مرات التعرض يوميًا.
وقد تكون السماعات العازلة للضوضاء مفيدة في الأماكن المزدحمة لأنها تقلل حاجة المستخدم إلى رفع الصوت لمنافسة ضوضاء الشارع أو المواصلات، لكنها تصبح مؤذية إذا استُخدمت بمستوى صوت مرتفع ولساعات طويلة.
الجرعة الصوتية.
متى يصبح الصوت خطرًا؟وعن الفرق بين رفع الصوت لفترة قصيرة والاستماع لفترات طويلة بمستوى متوسط، قال د.
عامر إن الاثنين يكملان بعضهما في الأذى، وإن الأمر يعتمد على ما يُعرف بـ “الجرعة الصوتية”.
وأوضح الدكتور تمامًا مثل التعرض للشمس؛ حروق الجلد قد تأتي من شمس حارقة في نصف ساعة، أو شمس دافئة طوال اليوم، و أن القاعدة الطبية تقول: كلما ارتفع الصوت، تقل المدة الآمنة للاستماع بشكل مخيف، فالاستماع لصوت بمستوى 85 ديسيبل آمن لـ8 ساعات، لكن إذا ارتفع الصوت قليلًا إلى 100 ديسيبل، وهو مستوى تصل إليه معظم الهواتف بسهولة، تصبح المدة الآمنة دقائق معدودة فقط.
وجاءت المدد التقريبية التي أوضحها د.
عامر الوردي كالآتي:وتتوافق هذه الفكرة مع معيار منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات الخاص بأجهزة الاستماع الآمن، الذي يوصي بأن تتابع الأجهزة مستوى الصوت ومدة التعرض، وأن توفر للمستخدمين معلومات شخصية عن مدى أمان عاداتهم في الاستماع.
لا يتوقف ضعف السمع عند حدود الأذن، بل يمتد إلى التواصل والثقة بالنفس والدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية، فالشاب الذي لا يسمع جيدًا قد يجد نفسه مضطرًا إلى طلب إعادة الكلام أكثر من مرة، أو ينسحب من التجمعات التي تتداخل فيها الأصوات.
وقال د.
عامر الوردي إن السمع هو نافذتنا للتواصل مع العالم، وتضرره يسبب أزمات خفية للشباب.
وأوضح أن أبرز الآثار النفسية والاجتماعية تشمل:الانطوائية: إذ يميل الشخص للانسحاب من التجمعات لأنه يجد صعوبة في ملاحقة الأحاديث.
الإحراج والقلق: بسبب الشعور بالضيق من كثرة طلب إعادة الكلام.
تراجع الأداء: سواء في الدراسة أو العمل بسبب تشتت التركيز.
الطنين المزعج: إذ إن صوت الرنين المستمر في الأذن قد يمنع الشخص من النوم أو الراحة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن فقدان السمع غير المعالج يمكن أن يؤثر في التواصل، والإدراك، والتعليم، والعمل، وقد يزيد من العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة، وهو ما يجعل الوقاية من الضرر السمعي جزءًا من حماية جودة الحياة، لا مجرد حماية عضو واحد في الجسم.
هل يمكن استعادة السمع المتضرر؟وعن إمكانية علاج أو استعادة السمع المتضرر بسبب الضوضاء، قال د.
عامر: لنكون صريحين، الضرر دائم ولا يمكن علاجه بالدواء أو الجراحة، لأن الخلايا الميتة لا تعود للوظيفة، وأن كل ما يقدمه الطب هو “حلول تعويضية” مثل السماعات الطبية أو زراعة القوقعة للحالات الصعبة، وهي أدوات تساعد على التعايش، لكنها لا تعيد السمع الطبيعي كاملًا.
وأكد أن الوقاية هنا ليست مجرد نصيحة، بل هي الحل الوحيد والفعلي.
وتكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تضع المستخدم أمام حقيقة طبية واضحة: الضرر السمعي الناتج عن تلف الخلايا الشعيرية لا يشبه الإرهاق العابر الذي يزول بالراحة، بل قد يتحول إلى فقدان دائم لا تعالجه الأدوية.
وعن أكثر العادات الخاطئة التي يكررها مستخدمو السماعات وتزيد احتمالية الإصابة بمشكلات سمعية، حدد د.
عامر مجموعة من الممارسات اليومية، منها:- رفع الصوت لأقصى درجة للهروب من ضوضاء المواصلات أو الشارع.
- النوم والسماعات في الأذن تعمل طوال الليل.
- استخدام السماعة لساعات متواصلة دون إعطاء الأذن قسطًا من الراحة.
- الاعتقاد بأن جودة ونقاء الصوت تعني أنه آمن على الأذن.
وتعد هذه العادات شائعة لأنها ترتبط بنمط الحياة اليومي، فالمستخدم يرفع الصوت في الأماكن المزدحمة، أو يستمر في الاستماع أثناء النوم، أو يظن أن الصوت النقي غير مؤذٍ لأنه لا يسبب إزعاجًا واضحًا.
لكن الضرر السمعي لا يرتبط بمدى نقاء الصوت فقط، بل بقوته ومدة التعرض له.
وحول أبرز النصائح والإجراءات الوقائية للحفاظ على صحة السمع في ظل الاستخدام اليومي المكثف للسماعات، دعا د.
عامر الوردي في ختام حديثه إلى اتباع مجموعة من الخطوات العملية، أبرزها:- تطبيق قاعدة 60/60، أي عدم رفع الصوت عن 60% من مؤشر الجهاز، وعدم الاستماع لأكثر من 60 دقيقة متواصلة، مع أخذ استراحة بعدها.
- استخدام “اختبار الصديق”، فإذا كان الشخص الجالس بجانبك يسمع ما يخرج من سماعتك، فهذا يعني أن الصوت مرتفع ومؤذٍ.
- تفعيل ميزة الأمان في الهاتف الذكي، عبر استخدام خاصية “حد مستوى الصوت” في الإعدادات.
- استخدام سماعات عازلة للضوضاء، لتقليل الحاجة إلى رفع الصوت في الأماكن المزدحمة.
- حماية الأطفال عبر شراء السماعات المخصصة لهم، والتي تحتوي على محدد صوت مدمج لا يمكنهم تجاوزه.
- استخدام سدادات الأذن في الحفلات الصاخبة، وقاعات الأعراس، أو أماكن العمل التي تكثر فيها الضوضاء.
وأكد د.
عامر الوردي أن السمع نعمة لا تعوض بثمن، وحمايتها تبدأ بالوعي وتغيير العادات اليومية الصغيرة قبل فوات الأوان.
منظمة الصحة العالمية – Deafness and hearing loss.
منظمة الصحة العالمية – Making listening safe.
منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للاتصالات – Safe listening devices and systems.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك