الراب السوداني: لغة تبحث عن وطن «2-2»يقدم الراب السوداني نموذجا لكتابة الذاكرة في ظرف اجتماعي أعادت فيه الحرب صياغة المكان والزمن وعلاقة الفرد بمحيطه.
المدن فقدت انتظامها اليومي، والتنقل بين المناطق تلبس دلالة ترتبط بالفعل الحركي أكثر من ارتباطه بالعبور الجغرافي، والبيت خرج من كونه فضاء مستقرا إلى علامة على الغياب أو الفقد.
تصف دراسات الذاكرة هذه الحالة بمفهوم جغرافيا الفقد (Geography of Loss)؛ فضاء تضعف فيه الحدود بين الموقع وآثار اختفائه، وتتشابك فيه الأمكنة مع أثر غيابها.
تخللت هذه التجربة نصوص الراب مادة وصفية مباشرة.
أسماء الشوارع، تفاصيل الأحياء، الإشارات الصغيرة للحياة اليومية حضرت في الأغاني كعناصر تحفظ التجربة قبل تآكلها.
اللغة تقترب من وظيفة الالتقاط، تلتقط بقايا الواقع قبل أن تفلت من الذاكرة.
الإحصاءات والتقارير تبقى خارج هذا الحيز، لأنها تتعامل مع الصورة العامة وتغفل التفاصيل الدقيقة التي تنسج التجربة المعيشة.
الأغنية في الراب السوداني تعيد ترتيب عناصر الواقع ضمن بنية إيقاعية تسمح بتداوله.
بعض الأعمال تبقى مشدودة إلى زمن إنتاجها وتفقد حضورها خارجه، أعمال أخرى تحتفظ بتركيب داخلي يسمح بإعادة الاستماع إليها بعد زمن الصدور.
قيمة العمل ترتبط بقدرته على تثبيت تجربة قابلة للاستعادة، لا بحجم انتشاره.
استمد الراب وجوده من ثقافة الهيب هوب في أحياء The Bronx بمدينة نيويورك خلال سبعينيات القرن العشرين، في بيئة اجتماعية اتسمت بالعزلة والتفاوت الاقتصادي.
دفع الواقع الاجتماعي اللغة نحو الإيقاع، وجعل الكلمة أداة لرواية الحياة اليومية.
وصل هذا النمط إلى السودان عبر الوسائط الرقمية، ثم أعيد صوغه في بيئة لغوية واجتماعية مختلفة فرضت عليه اعادة تموضع في الموضوع والإيقاع.
احتفظ Trap ببنيته الإيقاعية المرتبطة بمدينة Atlanta، بينما اتجهت موضوعاته في الواقع السوداني إلى التعبير عن مساع الاستقرار في واقع غير مستقر.
أما Drill، المرتبط بـ Chicago ثم London، فقد وجد في التجربة السودانية مساحة صوتية تخلق فضاء لإعادة توظيف الإيقاع باعتباره وسيطا لنقل عدم الاستقرار اليومي والانقطاع المستمر في الإحساس بالأمان.
يتكون المضمون في العلاقة بين الإيقاع والأداء، لا في الكلمات وحدها.
يقوم هذا الإنتاج على شبكة تضم الفنانين والمنتجين ومهندسي الصوت والمصورين والجمهور والمنصات الرقمية، ضمن ما يعرف في ثقافة الهيب هوب بـالسين Scene.
تنتقل الخبرة ضمن هذه الشبكة عبر التعاون اليومي، وتبادل الأدوات، وإعادة الاستخدام، ما يجعل المعرفة الموسيقية امتدادا للممارسة لا نتيجة لمؤسسة مستقلة.
درجت موسيقى R&B (Rhythm and Blues) إلى هذا المشهد مع اتساع حضور الغناء في عدد من الأعمال.
أحدثت هذه الموسيقى بعدا لحنيا، وأضافت امتدادا هارمونيا في البنية الصوتية، دون أن تفقد مركزية الإيقاع في تكوين العمل.
تتصل هذه الأشكال التعبيرية بتاريخ الشفاهية السودانية احتفظت الحقيبة والدوبيت والمديح بخبرات المجتمع عبر الكلمة والإيقاع والتداول الشفهي.
مع انتقال النص إلى الوسائط الرقمية، استمرت الوظيفة الثقافية في صورة جديدة تقوم على التكرار، وإعادة الأداء، وتداول المقاطع، وإعادة إنتاج التصور مع كل استماع.
يقارب الراب السوداني مفهوم أرشيف الشارع (Street Archive).
يقوم هذا الأرشيف على اللغة اليومية، وأسماء الأمكنة، واللغات، والعادات، والقصص المتداولة داخل المجتمع المحلي.
يتراكم هذا الأرشيف ببطء عبر التداول، لا عبر الحفظ الرسمي، ويستمد استمراره من الاستخدام اليومي.
تستعيد أغاني الراب السوداني الذاكرة في شكل مسموع.
يبقى المكان حاضرا في اسمه ولغته وإيقاعه حتى بعد تغيره أو اختفائه.
و تحفظ التجارب اليومية التي لا تجد طريقها إلى الأرشيفات التقليدية.
يظل الراب السوداني محاولة لالتقاط ما يفلت من التوثيق، وإبقاء ما يتراجع من الحياة في بنية قابلة للتداول وإعادة الاستماع.
لا يحضر الوطن معطى جغرافيا ثابتا، صورة تتخلق عبر اللغة والإيقاع، وتستحضر بالصوت كلما تعذر حضوره في الواقع.
يتقاطع العنوان مع التجربة نفسها، الراب السوداني يشتغل على إنتاج وطن خارج حدوده، ويعيد حضوره في كل أداء، وفي كل استماع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك