جاءت الرسائل التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية" الأوكتاجون" لتؤكد أن بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على تطوير القدرات العسكرية أو الاقتصادية، وإنما يمتد أيضا إلى تطوير المجال السياسي وتعزيز كفاءة مؤسساته ومن بين هذه الرسائل، برزت أهمية تنشيط الحياة الحزبية باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية لأي نظام سياسي قادر على تحقيق الاستقرار والتنمية في آن واحد لأن الدولة التي تسعى إلى تعزيز مشاركتها السياسية وتوسيع قاعدة صنع القرار تحتاج إلى أحزاب قوية، تمتلك رؤية وبرامج وكوادر، وتكون قادرة على التعبير عن المجتمع وربط المواطن بمؤسسات الدولة.
إن قوة النظام الحزبي لا تقاس بعدد الأحزاب المسجلة، وإنما بقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، وهي التعبير عن المصالح المجتمعية، وصياغة السياسات العامة، وإعداد القيادات، وإدارة المنافسة السياسية بصورة حضارية لذلك فإن وجود عشرات الأحزاب لا يعني بالضرورة وجود حياة حزبية حقيقية، إذا كانت هذه الأحزاب لا تمتلك قواعد جماهيرية أو برامج واضحة أو حضورا مؤثرا في الشارع، ولا يقاس الحزب بحجم مقره أو عدد بياناته، وإنما بقدرته على التأثير في الرأي العام وتقديم حلول واقعية لقضايا المواطنين.
ولا شك أن الحياة الحزبية المصرية حققت خلال السنوات الأخيرة خطوات إيجابية، سواء من خلال الحوار الوطني أو زيادة مساحة المشاركة السياسية، إلا أنها ما زالت تواجه عددا من التحديات التي تحد من فاعليته ويأتي في مقدمتها ضعف التواصل المستمر مع المواطنين، وغياب العمل الميداني لدى بعض الأحزاب، والاعتماد على النشاط الموسمي المرتبط بالانتخابات، فضلا عن محدودية الاهتمام بإعداد الكوادر السياسية الشابة، وضعف مراكز الدراسات والبحث داخل بعض الأحزاب، وهو ما ينعكس على مستوى البرامج والرؤى التي تقدمها.
أعتقد أن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه بعض الأحزاب خلال السنوات الماضية هو انشغالها بالوجود الشكلي أكثر من الانشغال بصناعة التأثير الحقيقي و أرى أن الحزب الذي لا يسمع نبض الشارع ولا يشارك المواطنين قضاياهم واهتماماتهم، يفقد تدريجيا مبرر وجوده، مهما كان تاريخه أو حجم قياداته، لذلك فإن استعادة ثقة المواطن في الأحزاب لن تتحقق بحملات إعلامية أو شعارات انتخابية، وإنما تتحقق عندما يشعر المواطن أن الحزب موجود إلى جواره، يدافع عن مصالحه، ويقدم حلولا قابلة للتطبيق، ويؤهل كوادر تمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة، وعندما تصل الأحزاب إلى هذه المرحلة، فإنها لن تكون فقط منافسا في الانتخابات، بل ستكون شريكا حقيقيا في صنع السياسات العامة ودعم استقرار الدولة وتحقيق التنمية.
إن إصلاح الحياة الحزبية يجب أن يبدأ من داخل الأحزاب نفسها قبل أن يكون مسؤولية الدولة، والأحزاب مطالبة بإجراء مراجعات تنظيمية وفكرية شاملة، تعيد تعريف دورها في المجتمع، وتنتقل بها من مجرد كيانات انتخابية إلى مؤسسات سياسية تعمل بصورة يومية، كما أن تطوير الهياكل التنظيمية، والاعتماد على الكفاءة في اختيار القيادات، وتفعيل الديمقراطية الداخلية، كلها خطوات ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين في العمل الحزبي.
كما أرى أن أحد أهم محاور الإصلاح يتمثل في تحويل الأحزاب إلى بيوت خبرة حقيقية و يجب أن يمتلك الحزب لجانا متخصصة تضم خبراء في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة المحلية والاستثمار، تكون مهمتها إعداد الدراسات وتقديم بدائل للسياسات العامة، الأحزاب في الدول المتقدمة تعد شريكا في صناعة القرار، لأنها تقدم حلولا قابلة للتطبيق، وليس مجرد مواقف سياسية.
ويجب أيضا أن تعيد الأحزاب صياغة علاقتها بالشباب لأنهم ليسوا فقط كتلة تصويتية، وإنما هم صناع المستقبل وقادة العمل العام خلال السنوات المقبلة ولذلك فإن الاستثمار في التدريب السياسي، وإنشاء مدارس لتأهيل الكوادر، وإتاحة الفرصة أمام الشباب والمرأة لتولي مواقع قيادية داخل الأحزاب، يمثل ضمانة حقيقية لاستمرار الحياة السياسية وتجددها ولا يقل عن ذلك أهمية أن تعود الأحزاب إلى الشارع المصري، السياسة تمارس بين الناس، والحزب الذي يشارك المواطنين همومهم اليومية، ويتبنى قضاياهم، ويقدم لهم مبادرات مجتمعية، سيكون أكثر قدرة على اكتساب ثقتهم من أي حملة دعائية أو انتخابية، الثقة تبنى بالفعل المستمر، وليس بالشعارات.
وتأتي انتخابات المجالس المحلية المرتقبة لتمنح الأحزاب فرصة تاريخية لإثبات قدرتها على التجديد و يجب ألا تنظر إليها باعتبارها سباقا على المقاعد، وإنما باعتبارها اختبارا حقيقيا لقدرة الأحزاب على تقديم كوادر تمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة، وقادرة على إدارة الشأن المحلي بكفاءة، لأن الإدارة المحلية هي المدرسة الأولى لإعداد القيادات السياسية والتنفيذية.
إن توجيهات الرئيس السيسي بشأن دعم الحياة الحزبية تحمل رسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أحزاب أكثر فاعلية، وأكثر قربا من المواطنين، وأكثر قدرة على إنتاج الأفكار والقيادات، ويبقى نجاح هذه الرسالة مرهونا بقدرة الأحزاب نفسها على استثمار هذه الفرصة، وتجديد أدواتها، والانفتاح على المجتمع، والتحول إلى شريك حقيقي في صنع المستقبل.
إصلاح الحياة الحزبية ليس مطلبا يخص الأحزاب وحدها، بل هو استثمار في قوة الدولة واستقرارها، لأن الأحزاب القوية تخلق حياة سياسية أكثر نضجا، وتوسع دائرة المشاركة، وتدعم عملية صنع القرار، وهو ما تحتاج إليه الجمهورية الجديدة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك