بعد أيام من الإعلان عن اتفاق الإطار برعاية أمريكية، تتسارع التطورات السياسية والميدانية في جنوب لبنان بوتيرة تعكس اتساع الفجوة بين بنود الاتفاق والواقع على الأرض.
ففي وقت تتمسك فيه الدولة اللبنانية بضرورة الانسحاب الإسرائيلي باعتباره المدخل لاستكمال تنفيذ التفاهمات وانتشار الجيش، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وتؤكد بقاء قواتها في المناطق التي تسيطر عليها، فيما امتد السجال إلى مستقبل القرى الحدودية وشكل المرحلة المقبلة في الجنوب.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، خلال اتصال عبر تقنية الفيديو مع مجموعة العمل الأمريكية من أجل لبنان، أن بقاء القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية «يقوض شرعية الدولة، ويمنع انتشار الجيش وأسس تحقيق السلام العادل والدائم»، داعياً الإدارة الأمريكية إلى الضغط على إسرائيل لتحقيق الانسحاب، معتبراً، وفق ما نقلته الرئاسة اللبنانية والوكالة الوطنية للإعلام، أن الانسحاب يمثل «مفتاح أي تقدم حقيقي وملموس وواقعي» على مسار السلام والاستقرار في الجنوب.
وأضاف عون أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية يشكلان «حجر الأساس للاستقرار والأمن» في الجنوب وعودة السكان إلى بلداتهم، معتبراً أن خيار التفاوض أصبح المسار المتبقي بعد الحرب، بعد فشلها في تحقيق الأهداف المعلنة لها، ومحذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التعنت الإسرائيلي» في البقاء داخل الأراضي اللبنانية لن يكون في مصلحة الأهداف التي تسعى إليها الولايات المتحدة ولبنان لاستعادة سيادة الدولة وتعزيز مؤسساتها.
كما شدد على أن عودة الحرب الأهلية «غير مطروحة على الرغم من كل المحاولات التي يبذلها البعض من أجل إيقاظ الفتنة»، مشيداً بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري في دعم التهدئة والتحذير من الفتنة.
وجاءت هذه المواقف في وقت استمرت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.
فبعد عمليات نسف واسعة نفذها الجيش الإسرائيلي، أمس، في مدينة بنت جبيل، ولقيت إدانات عربية، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، وفق الوكالة الوطنية للإعلام، مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاث نساء، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة في بلدة النبطية الفوقا.
وبالتوازي مع التطورات الميدانية، اتسع السجال السياسي عقب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، التي زعم فيها أن بعض القرى المسيحية في جنوب لبنان طلبت الانضمام إلى إسرائيل لكي تكون محمية من مقاتلي «حزب الله».
وقوبلت هذه التصريحات برفض لبناني.
فقد نفى رئيس بلدية رميش حنا العميل، في تصريحات نقلتها الوكالة الوطنية للإعلام، صحة تلك المزاعم، مؤكداً أن أياً من البلدات الجنوبية لم يطلب الانضمام إلى إسرائيل.
كما أشاد رئيس مجلس النواب نبيه بري، في بيان، بمواقف رؤساء البلديات والفعاليات المحلية، ولا سيما في البلدات الحدودية، معتبراً أنها تؤكد تمسك أبناء الجنوب بأرضهم وهويتهم الوطنية، ومحذراً من «الأكاذيب والأباطيل» التي قال إن هدفها إثارة الفتنة بين أبناء المناطق الحدودية.
ودعا بري الدولة اللبنانية والمجتمعين العربي والدولي إلى التحرك لوقف ما وصفه بعملية «التدمير الممنهج» التي تتعرض لها بلدات جنوبية، معتبراً أن استمرار عمليات النسف والتدمير في بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور يعكس، بحسب تعبيره، «النوايا الحقيقية» لإسرائيل تجاه تلك المناطق.
وتأتي هذه التطورات بينما يستعد لبنان وإسرائيل للانتقال إلى مرحلة تنفيذ اتفاق الإطار الذي أُعلن برعاية أمريكية، وينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي توغلت إليها القوات الإسرائيلية، مقابل انتشار الجيش اللبناني واتخاذ ترتيبات أمنية متبادلة.
إلا أن الاتفاق لا يتضمن جدولاً زمنياً ملزماً للانسحاب، كما يواجه رفضاً من ميليشيا «حزب الله»، في حين يؤكد مسؤولون إسرائيليون استمرار الوجود العسكري في الجنوب إلى حين تحقيق ما تصفه إسرائيل بمتطلباتها الأمنية.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية والمواقف السياسية المتبادلة، تبقى ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وتنفيذ اتفاق الإطار، ومستقبل المناطق الحدودية، محور المرحلة المقبلة، فيما تتواصل الجهود الأمريكية والدولية لدفع مسار تنفيذ التفاهمات وتقليص الفجوة بين ما تنص عليه الاتفاقات وما تفرضه الوقائع الميدانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك