العربي الجديد - الانتخابات الجزائرية: 256 نائباً للموالين وتراجع الإسلاميين العربي الجديد - ثروة ترامب تعمّق أزمة الثقة بالعملات المشفّرة. روسيا اليوم - ترامب وإيران.. حرب اتهامات وغياب للحل التلفزيون العربي - دموع رونالدو تخطف الأنظار.. نهاية مؤثرة لمسيرته في كأس العالم إيلاف - تحت أنقاض الزلزال: فتاة فنزويلية تروي أحداث 32 ساعة أمضتها مع "الكاتشب والجبن" العربي الجديد - جولة محادثات جديدة على وقع استمرار قصف الاحتلال القدس العربي - أمريكا تراقب أكثر المعارك الانتخابية سخونة في ميشيغان.. عبد الله السيد في مواجهة اللوبي الإسرائيلي- (فيديوهات) الجزيرة نت - مباشر مباراة أمريكا ضد بلجيكا في كأس العالم 2026 التلفزيون العربي - بعد حل لجنة الطوارئ الحكومية.. حماس تحذر من مساع إسرائيلية لفرض "فراغ إداري" العربية نت - ردة فعل عاجلة.. البرتغال تعين جيسوس مدرباً جديداً
عامة

المرأة الغزية بعد ألف يوم من الإبادة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

باللغة الشعبية، أو كما يقول الغزيون في الشارع: " اللي راح عرفناه؛ بس اللي جاي يا عالم فيه" وهي مفارقة عجيبة، بل تكاد تكون مستحيلة. كوني كاتبة صحافية عاشت فصول الإبادة كلها، أقف اليوم، بعد مرور ألف يوم...

ملخص مرصد
بعد مرور ألف يوم على الحرب في غزة، تتساءل كاتبة صحافية عن جدوى الكتابة في ظل الإبادة المستمرة، مركزة على معاناة المرأة الغزية التي فقدت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة، فيما أصيب نحو 11 ألفاً بإعاقات دائمة. تتحدث الكاتبة عن تفاصيل الحياة اليومية للنساء تحت القصف، من حملهن للأطفال إلى محاولتهن الحفاظ على هويتهن، رغم الفقد والإصابات الجسدية والنفسية التي غيرت حياتهن إلى الأبد.
  • قُتل أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة منذ أكتوبر 2023 حتى ديسمبر 2025 بحسب تقارير الأمم المتحدة
  • نساء غزيات فقدن حقهن في الحياة الطبيعية بسبب الحرب والإصابات الجسدية والنفسية
  • نساء غزيات يحاولن الحفاظ على هويتهن من خلال التفاصيل الصغيرة مثل الزينة وارتشاف القهوة
من: نساء غزيات، الكاتبة الصحافية، إسراء زوجة محمد، ملك زوجة إسماعيل، نجوى أبو عطيوي أين: غزة

باللغة الشعبية، أو كما يقول الغزيون في الشارع: " اللي راح عرفناه؛ بس اللي جاي يا عالم فيه" وهي مفارقة عجيبة، بل تكاد تكون مستحيلة.

كوني كاتبة صحافية عاشت فصول الإبادة كلها، أقف اليوم، بعد مرور ألف يوم، أمام سؤال واحد: ما جدوى الكتابة ما لم تُحدث أثراً أمام شعب يُقتل كل يوم، بلا رحمة ولا حول؟أقرأ، أخيراً، كتاب" ليس للحرب وجه أنثوي" للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، الذي تنقل فيه شهادات نساء سوفييتيات عشن أهوال الحرب العالمية الثانية؛ نساء حملن البنادق، وعملن ممرضات، وقناصات، وسائقات، وطبيبات، وجنديات.

وبين صفحات الكتاب، أجدني أتساءل باستمرار: هل تتقاطع تلك التجارب، على قسوتها، مع ما تعيشه المرأة الغزية اليوم؟ أم أن لكل حرب وجهها الخاص؟في هذه المقالة، لا أود الحديث عن الحرب على غزة بعموميتها، وإنما عن المرأة، وفقط.

عن تلك التي لم تكن مقاتلة على الجبهة، لكنها وجدت نفسها في مواجهة حرب لا تقل ضراوة؛ تحمل طفلها، وخيمتها، وغياب زوجها، وثقل النجاة، فيما تحاول أن تتمسك بما تبقى من تفاصيل الحياة.

يظل سؤال آخر يلاحقني كلما مضيت في القراءة والكتابة، وهو: هل قررت إسرائيل، بعد واحد وثمانين عاماً على الهولوكوست الذي ارتكبه النظام النازي، أن تُقاصص المرأة الفلسطينية؟ فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، قُتلت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة، فيما أُصيبت نحو 11 ألفاً بإصابات خلّفت إعاقات دائمة أو طويلة الأمد.

كما تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تعيلها نساء بعد فقدان أزواجهن، فضلاً عن تسجيل نحو 2600 حالة إجهاض خلال الحرب.

لكن هذه الأرقام، مهما بلغت قسوتها، تبقى عاجزة عن رواية الحكاية كاملة.

فثمّة حياة يومية لا تُقاس بالإحصاءات، ولا تظهر في تقارير المنظمات، بل تتجلى في تفاصيل النساء اللواتي يمضين أيامهن بين الخيمة والطريق، وبين انتظار الغد والخوف منه؛ في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تختصر معنى الحياة تحت الحرب.

أفكر في كل ما مضى، وفي كل ما يمكن أن يمضي، فأجد نفسي عالقة في مساحة، كما أحب أن أسميها، " ما بين البينين"؛ أي أن تكون معلقاً بين السماء والأرض، مرهوناً بإشارة، أو بقرار سياسي.

ولعل هذا الشعور نفسه هو ما يدفعني إلى مراقبة تفاصيل الحياة أكثر من أي وقت مضى.

ففي طريقي إلى العمل، نجحت في الحفاظ على روتين معين، وهو أن أصل إلى مكان عملي سيراً على الأقدام، في محاولة لرصد حالة المكان والوجوه وكل التفاصيل الدقيقة.

وأقول هنا إنني أُمرّن نفسي في كل مرة على هذه الملاحظة التي لا تأتي إلا بعد محاولات متكررة.

أكثر ما يفزع قلبي أن أرى فتاة في عمر الورد، أو أماً تحمل طفلها بين ذراعيها، أو تحمل في بطنها المتكور جنيناً.

ولا أعرف تحديداً إن كانت الحرب قد صنعت داخل كل فتاة وامرأة فينا ما يمكن أن أسميه" عقدة الأمومة"؛ إذ لم يعد الحمل مجرد انتظار لطفل، بل انتظاراً لمستقبل مجهول، وخوفاً دائماً من فقدٍ جديد.

أفكر في هؤلاء النسوة الصغيرات داخل الخيام، فيقشعر جسدي.

كيف يزاولن الحياة داخل قطعة من القماش البالي؟ وكيف يصنعن الطعام لأبنائهن على موقد نار متآكل؟ وكيف يستحممن في شارع تحيط به قطعة من النايلون؟أفكر في اللحظة التي تخلع فيها إحداهن ثيابها لتستحم، وتسكب كوباً من الماء على جسدها العاري، متخليةً تماماً عن هاجس أن يلمحها مارٌّ في الطريق، بقصد أو بغير قصد، وكأن الحرب نزعت منها حتى حقها في القلق من انكشاف جسدها.

أفكر كيف تصنع الواحدة منهن زينتها على أطراف خيمتها، فيضحك قلبي.

الكحل فوق الجفن، والضفائر، والعطور، والأحلام بالحب والزواج والأمومة، وفستان، أو حتى بيجامة من الساتان.

تتجول في خيمتها، ثم في نهاية كل يوم تستلقي في ثوبها الحريري فوق فرشة مهترئة، أو فوق قطعة نايلون مفروشة على الرمل، فتستيقظ في الصباح وقد غطّت حبيبات الرمل جسدها كله.

تغسل وجهها بما تبقى من ماء، وتفرش أسنانها، وتنفض الرمل عن كتفيها وجسدها، ثم تُعد فنجان قهوة، وترتشفه، كأن لا حرب تدور حولها.

وربما في هذه التفاصيل الصغيرة تكمن أعظم أشكال المقاومة؛ أن تتمسك امرأة بحقها في أن تبدو جميلة، وأن تشرب قهوتها، وأن تحلم، رغم كل ما يسعى إلى سلبها حياتها.

لكن للحرب وجهاً آخر، وجهاً لا تستطيع الزينة ولا القهوة أن تخفف من قسوته؛ وجه الفقد.

أفكر في الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن وأزواجهن.

تقول لي إسراء، زوجة محمد وشاح، في مقابلة: " ياريتني فقدت كل الناس وضل محمد".

وتقول لي ملك زريد، زوجة إسماعيل الغول: " ياريت كل العالم مات وضل إسماعيل عايش".

ملك وإسراء ليستا سوى نموذجين من بين أكثر من 16 ألف امرأة في غزة فقدن أزواجهن.

في كل مرة أجدني أقف أمام حكايات هؤلاء النساء، أتساءل: ماذا تفعل امرأة تشعر أنها بقيت على قيد الحياة بالمصادفة، بالمصادفة المحضة؟في الحرب لا تفقد المرأة حياتها فقط، بل تفقد أيضاً حقها في أن تكون امرأة.

تُجبر النساء على أن يصبحن مقاتلات قبل أن يعشن أنوثتهن، وأن يحملن أعباء الحياة كاملة، بينما لم يفرغن بعد من حدادهن.

غير أن الفقد ليس الوجه الوحيد لمعاناة المرأة في هذه الحرب؛ فهناك نساء نجون من الموت، لكنهن خرجن منه بأجساد لن تعود كما كانت.

قصة نجوى أبو عطيوي واحدة من تلك الحكايات التي تختصر معنى النجاة في غزة؛ نجاة لا تشبه النجاة، بل بداية لمعركة أخرى مع الجسد والذاكرة.

في مقابلة مع نجوى أبو عطيوي، وهي أم وزوجة، بدأت حكايتها من تحت الأنقاض.

بعد استهداف منزلها، اعتقد الجميع أنها استشهدت، وحين وُضعت بين الضحايا، حاولت أن تحرك وجهها بصعوبة، كأنها تتمسك بخيط أخير من الحياة.

تلك الحركة الصغيرة كانت الفارق بين الموت والنجاة.

تعرضت نجوى لتهتك وكسر كامل في الوجه، وخضعت لعمليات تركيب صفائح معدنية، كما فقدت إحدى عينيها بالكامل.

نجت، لكن نجاتها لم تكن نهاية الحكاية، بل بداية طريق ثقيل تحاول فيه أن تتكيف مع جسد مثقل بالإصابات، وأسرة تحاول استعادتها.

وقصة نجوى ليست استثناء، بل شهادة حية على واقع ممتد، تُجبر فيه النساء المصابات في غزة على العيش بين الألم والأمل، في انتظار فرصة للعلاج، أو طرف اصطناعي، أو لحظة بسيطة يتمكنّ فيها من احتضان أطفالهن دون مساعدة.

وربما لهذا السبب، وبعد ألف يوم من الحرب، لا أبحث عن إجابة لسؤال: ماذا بعد؟ بقدر ما أخشى أن يصبح هذا السؤال جزءاً من حياتنا اليومية.

أفكر في المرأة الغزية التي لم تعد تطلب أكثر من سقف يحميها، وباب تغلقه خلفها، وحمام تستحم فيه دون خوف، وسرير تنفض عنه الغبار، لا الرمل، وفنجان قهوة تشربه دون أن تترقب صوت الطائرة، وفي أم كانت تنتظر مولودها الأول، فأصبحت تنتظر فقط أن تضعه في مكان آمن.

أدرك أن الحرب لا تقتل النساء عندما تُسقط القذائف أجسادهن فحسب، بل تقتلهن كل يوم حين تسلبهن حقهن في أن يعشن حياة عادية، وأن يكنّ نساءً قبل أي شيء آخر.

ولذلك، كلما عدت إلى السؤال: ولكن ماذا بعد؟ لا أجد إجابة.

أجد فقط وجوهاً نسائية كثيرة، تركت الحرب على كل وجه منها حكاية، وما زالت تنتظر من يرويها.

وربما لهذا السبب أيضاً، ما زلت أكتب؛ ليس لأنني أملك الإجابة، بل لأن الصمت سيكون شكلاً آخر من أشكال الهزيمة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك