شاهدت فيلم «الست» مؤخراً، بعد أن تأخرت في مشاهدته لأسباب كثيرة، لكن سبباً واحداً لم يكن بينها قط، وهو الضجيج الذي سبق عرضه.
لم ألتفت إلى حملات التشويه التي أحاطت بالفيلم، لأنني أعرف أحمد مراد جيداً؛ أعرف طريقته في التفكير، ومنهجه في البحث، وشغفه الذي يجعله يدس رأسه في الوثائق كما يفتش عالم آثار عن مدينة مفقودة.
أعرف أيضاً أنه من الكتّاب الذين يسبقون زمنهم بخطوة، ولذلك كثيراً ما يُساء فهمهم قبل أن يُعاد اكتشافهم لاحقاً.
خرجت من الفيلم وأنا أشعر أنني لم أشاهد مجرد سيرة سينمائية لأم كلثوم، بل شاهدت محاولة لإعادة تعريف الطريقة التي يمكن أن تُروى بها حياة الأساطير.
طوال عقود، كانت أفلام السيرة الذاتية تعتقد أن الزمن مستقيم، وأن حياة الإنسان تبدأ من الطفولة وتنتهي بالموت، وبينهما سلسلة من الأحداث تُروى بترتيبها الطبيعي.
لكن الإنسان لا يتذكر حياته بهذه الطريقة؛ فالذاكرة لا تعمل كساعة، بل كمرآة مكسورة.
صورة تقفز إلى أخرى، ثم إلى ثالثة، قبل أن يعود العقل ليجمع الشظايا في معنى واحد.
هذا تحديداً ما فعله فيلم «الست».
الفيلم لا يطلب من المشاهد أن يتلقى الحكاية، بل أن يشارك في بنائها.
يشبه لعبة «البازل» أكثر مما يشبه الرواية التقليدية؛ كل مشهد قطعة فنية مستقلة، لكنها لا تكتمل إلا عندما تستقر في مكانها داخل وعي المتفرج.
هنا لم يعد التشويق قائماً على السؤال القديم: ماذا سيحدث بعد قليل؟ بل على سؤال أكثر حداثة: أين تذهب هذه القطعة؟ وكيف ستفسر ما رأيته قبل عشر دقائق؟ هذا انتقال مهم في لغة السينما العالمية.
نحن أمام جيل لم يعد يحتمل الحكايات الطويلة المتصلة كما كانت اعتادت عليها الأجيال السابقة وتمتعت بها.
هذا جيل تربى على «الريلز»، وعلى المقاطع القصيرة، وعلى القفز المستمر بين الصور والأفكار.
يتشتت انتباهه خلال دقائق معدودة، لا لأنه أقل ذكاء، بل لأن العالم نفسه أعاد تشكيل طريقته في استقبال المعرفة والصورة.
لذلك، فإن مخاطبة هذا الجيل لا تعني تبسيط الفن، وإنما إعادة ابتكار شكله.
وأظن أن أحمد مراد أدرك هذه الحقيقة مبكراً، كما هي عادته.
ولعل المفارقة الجميلة أن «الست» سبق فيلم «مايكل جاكسون» في تقديم هذا النوع من البناء السردي المتشظي، القائم على تفكيك الزمن وإعادة تركيبه بدلاً من السير في خط زمني واحد.
وعندما شاهدت المقاربة الإخراجية بين العملين، شعرت أن السينما العالمية نفسها تتجه إلى اللغة التي راهن عليها الفيلم منذ البداية.
ليست المسألة تشابهاً في الموضوع؛ فكلاهما يتناول أسطورة موسيقية مختلفة تماماً، بل تشابه في الفلسفة البصرية: كيف يمكن أن تُروى حياة شخصية يعرف العالم نهايتها، دون أن يصبح الطريق إليها مملاً.
وهذه من عبقريات مروان حامد، الذي يعمل بالتساوق مع أحمد مراد في تشكيل اللعبة ثم رميها مثل كرة مسننة للجمهور، على طريقة لا مبالاة كل العباقرة التي قرأت لهم في حياتي.
إنها معركة ضد الملل أكثر منها معركة مع التاريخ.
ولعل أكثر ما شد انتباهي ثم إعجابي بالفيلم، أنه لم يسع إلى تحطيم أسطورة أم كلثوم، كما يخشى البعض، ولم يكتف أيضاً بتقديسها كما ذهبت أغلب التوقعات أسوة بالأعمال التقليدية.
لقد فعل شيئاً أصعب بكثير؛ أعاد إليها إنسانيتها.
للمرة الأولى، لا تبدو «كوكب الشرق» تمثالاً رخامياً معلقاً على جبهة الزمن، بل امرأة من لحم ودم، تخاف، وتتردد، وتغضب، وتنتصر، وتخسر، وتدفع ضرائب اختياراتها.
وهذا في رأيي أعظم تكريم يمكن أن يُقدم لأسطورة.
فالأساطير لا تصبح عظيمة لأنها بلا عيوب، بل لأنها استطاعت أن تعبر ضعفها وتصنع منه مجداً يستقر في الوجدان الجمعي.
نحن لا نحتاج إلى أن نرى أم كلثوم وهي تغني فقط، بل أن نفهم الثمن الذي دفعته لتصل إلى تلك اللحظة التي وقف فيها الملايين صامتين أمام صوتها.
وهنا تكمن شجاعة الفيلم.
لقد نبش مراد ومروان بالتزامن تحت الرخام، ليس من أجل تكسير تماثيل البرونز القابعة في مخيلاتنا عن أم كلثوم، بل للكشف عن ذلك القلب الذي كان ينبض تحت هياكله.
إن أجمل ما يمكن قوله عن «الست» أنه لم يُصنع لإرضاء الحنين وحده، بل ليخلق حنيناً جديداً عند جيل لم يعش زمن أم كلثوم أصلاً، ولا الزمن الذي يليه؛ حينما كان هناك تقادم متصل وطبيعي للزمن يجعل من الأجيال السابقة يعرفونها كما لو أنهم اقترضوا ذاكرة أجدادهم، وهذا إنجاز نادر.
فليس المطلوب أن نكرر تقديم تراثنا بالطريقة نفسها كل مرة، لأننا بذلك نخاطب الجمهور نفسه إلى الأبد، بينما تتغير الأجيال والأحوال من حولنا.
الفن الحقيقي لا يحرس المتحف فقط، بل يشرع أبوابه لمن لم يعرفه من قبل.
لهذا، أعتقد أن «الست» ليس مجرد فيلم عن أم كلثوم، بل عن مستقبل السيرة السينمائية نفسها.
إنه يقترح بأن الذاكرة يمكن أن تُكتب بطريقة مختلفة، وأن التشويق لم يعد خطاً مستقيماً، بل متاهة جميلة يقود كل منعطف فيها إلى اكتشاف جديد.
وهذا، في النهاية، هو ما تفعله الأعمال الكبيرة دائماً.
إنها لا تكتفي برواية الحكاية فحسب، بل تغير الطريقة التي تستطيع أن تخلق منهجاً جديداً لمفهوم الإصغاء إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك