أخفقت الحكومة المصرية في إطلاق منظومة" الخصم المباشر" الجديدة لإنتاج وتوزيع الخبز المدعم مع بداية العام المالي 2026/ 2027 في الأول من يوليو/ تموز الجاري، لتقرر تأجيل التطبيق إلى الأول من أغسطس/ آب المقبل، في انتكاسة مؤقتة لأحد أهم المشروعات التي تعول عليها الدولة لإعادة هيكلة منظومة الدعم، تمهيداً للتحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.
يكشف قرار التأجيل حجم التحديات التي تواجه الحكومة في تنفيذ أكبر عملية إعادة تنظيم لمنظومة الدعم الغذائي منذ أكثر من سبعين عاماً، وهي المنظومة التي توفر الخبز المدعم لنحو 63.
7 مليون مواطن، حسب بيانات رسمية، بينما يستفيد من بطاقات السلع التموينية أكثر من 60 مليون مواطن، وتصل مخصصاتها في الموازنة الجديدة إلى نحو 160 مليار جنيه لدعم الخبز، فيما تبلغ مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية معاً نحو 170 مليار جنيه (الدولار نحو 49 جنيهاً).
يأتي التأجيل بينما تمضي الحكومة في تنفيذ خطة أشمل لإعادة بناء منظومة الدعم بالكامل، تشمل الكارت الموحد، وربط قواعد البيانات، والميكنة الكاملة لمنظومة الخبز والسلع التموينية، وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد، في إطار الاستعدادات للانتقال إلى نظام الدعم النقدي الذي تعتزم الحكومة تطبيقه تدريجياً.
إنتاج القمح والدفع الفوريعقد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي سلسلة اجتماعات لمتابعة مشروع تطوير منظومة الدعم والكارت الموحد، خلال الأسبوعين الماضيين، بحضور الوزراء والجهات المعنية، كما شهدت الفترة نفسها اجتماعات متتابعة بين وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق ومسؤولي جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة ووزارة الزراعة والهيئة العامة للسلع التموينية، لبحث إعادة تنظيم منظومة إنتاج القمح وتخزينه وتوزيعه وربطها بالمنظومة الرقمية الجديدة.
كما عقد وزير التموين اجتماعاً مع مسؤولي شركة" فوري" للدفع الفوري، لبحث تجهيز منظومة المدفوعات الإلكترونية التي ستتولى إدارة عمليات التسوية المالية داخل النظام الجديد، بالتوازي مع اجتماعات اللجنة العليا لمشروع تطوير تجارة التجزئة ومنصة كاري أون Carry On، في إطار بناء شبكة إلكترونية موحدة لإدارة الدعم.
ورغم الاستعدادات الرسمية، انتهت الحكومة إلى تأجيل التنفيذ شهراً إضافياً لاستكمال الجاهزية الفنية والمالية، بعد ثبوت عدم قدرة النظام الجديد على التحول من الدعم العيني إلى النقدي لملايين المستهلكين دفعة واحدة.
أصدر وزير التموين المصري قراراً ببدء تطبيق منظومة الخصم المباشر اعتباراً من الأول من أغسطس المقبل، بعد نجاح التجربة التي نفذت في محافظة بورسعيد.
وفقاً لتصريحات مسؤولين بوزارة التموين، فإنه في النظام الجديد لن يحصل أصحاب المخابز على الدقيق بالطريقة التقليدية، وإنما سيشترونه من المطاحن بالسعر الذي حددته الوزارة، على أن تتولى الهيئة العامة للسلع التموينية سداد قيمة الخبز الذي يتم إنتاجه وصرفه فعلياً للمواطنين، وفق بيانات الصرف الإلكترونية المسجلة على النظام.
حددت الوزارة سعر طن الدقيق استخراج 87.
5% المستخدم في إنتاج الخبز المدعم عند 19 ألفاً و320 جنيهاً، فيما تحصل المطاحن على القمح من هيئة السلع التموينية بسعر 16 ألفاً و500 جنيه للطن.
أكدت الوزارة أن المنظومة الجديدة لن تمس حقوق المواطنين، وأن رغيف الخبز سيظل بوزن 90 غراماً، مع استمرار حصول كل مستفيد على خمسة أرغفة يومياً بالسعر المدعم.
تقول مصادر حكومية لـ" العربي الجديد" إن النظام الجديد سيحقق رقابة لحظية على إنتاج الخبز، ويقضي على الفاقد، ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، ويعزز الحوكمة والانضباط المالي، بينما أكدت مصادر بشعبة المخابز بالغرف التجارية لـ" العربي الجديد" أن التأجيل كشف استمرار وجود عقبات فنية وتشغيلية، أبرزها استكمال فتح الحسابات البنكية للمخابز، وربط جميع الأطراف إلكترونياً، والانتهاء من منظومة التسويات المالية.
في السياق ذاته، طالبت شعبة المخابز بالغرف التجارية وغرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات بمنح المخابز ضمانات واضحة قبل التطبيق، وإعادة النظر في بعض العقوبات الواردة بالقرار الوزاري رقم 175، محذرتين من أن أصحاب المخابز سيحاسبون على الدقيق بقيم مالية مرتفعة، بما يستلزم سرعة سداد مستحقاتهم وتوفير شبكة تشغيل مستقرة لتجنب أي اضطرابات في إنتاج الخبز.
وأكد ممثلو القطاع أن نجاح المنظومة يتطلب اعتبار المخابز شريكاً في التنفيذ، وليس مجرد جهة تخضع للعقوبات والجزاءات.
يتزامن تأجيل تطبيق المنظومة مع تصاعد الغضب داخل مجلس النواب بسبب استمرار حذف مواطنين من بطاقات التموين وحرمانهم من دعم الخبز والسلع الأساسية.
وخلال اجتماع لجنة الشؤون الاقتصادية بالمجلس، نهاية الأسبوع الماضي، برئاسة أيمن محسب، شن النواب هجوماً حاداً على آليات استبعاد المواطنين، مؤكدين أن الدعم حق دستوري لا يجوز ربطه بمخالفات البناء أو الكهرباء أو الزراعة.
قال النائب تامر عبد القادر إن أكثر من 850 ألف مواطن تعرضوا للحذف من بطاقات التموين، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً منهم في محافظة الوادي الجديد استُبعدوا بسبب مخالفات بسيطة أو أوضاع يجري تقنينها، مطالباً بإرسال قوافل من وزارة التموين لإعادة تسجيل المستحقين وقبول تظلماتهم، مؤكداً أن" فلاحين بسطاء يعيشون على الحدود الغربية ويحرسونها لا يجوز حرمانهم من رغيف الخبز".
وانتقد النائب أحمد العرجاوي ما وصفه بغياب التنسيق بين وزارات الكهرباء والتنمية المحلية والتموين، مؤكداً في تصريح لـ" العربي الجديد" أن مواطنين حُرموا من الدعم بسبب محاضر لم يعلموا بها أو مخالفات تمت تسويتها، محذراً من تحويل رغيف الخبز إلى وسيلة للعقاب.
أما النائب محمد الشويخ فأكد أن المواطنين أصبحوا" يدفعون ثمن التعقيدات الحكومية"، مشيراً إلى تلقيه مئات الشكاوى خلال ساعات من حذف أسماء من بطاقات التموين، ومطالباً بآليات واضحة وسريعة للتظلم وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
وانتهت اللجنة إلى التوصية بوقف حذف المواطنين من بطاقات التموين بسبب مخالفات البناء والكهرباء والزراعة، وتشكيل لجنة لفحص التظلمات، وفتح باب التظلم لمدة شهر أو شهرين، وإعادة المستحقين إلى منظومة الدعم بعد إزالة أسباب المخالفة، وهو ما تعهدت به الحكومة في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، والتي لم يبدأ تنفيذها حتى صباح أمس الاثنين.
يرى ممثلو الغرف التجارية أن تأجيل تطبيق منظومة الخصم المباشر لا يمثل مجرد تأخير تقني، بل يعكس حساسية الانتقال إلى المرحلة التالية من إصلاح منظومة الدعم، إذ تمثل المنظومة الرقمية الجديدة الأساس الذي ستبني عليه الحكومة مشروعها للتحول من دعم السلع إلى دعم المواطن مباشرة.
ويؤكد مسؤولون بوزارة التموين أن الهدف هو رفع كفاءة الإنفاق وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، بينما يخشى نواب وخبراء من أن تؤدي إعادة هيكلة المنظومة، إذا لم تقترن بضمانات اجتماعية كافية، إلى تقليص أعداد المستفيدين أو تآكل القيمة الفعلية للدعم النقدي مع استمرار موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء.
يؤكد ممثلو أصحاب المخابز بالغرف الصناعية أن الأول من أغسطس المقبل سيتحول إلى موعد اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على تشغيل واحدة من أكثر المنظومات الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً في مصر، في وقت يعتمد فيه عشرات الملايين من المواطنين على رغيف الخبز المدعم باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الغلاء، مشيرين إلى أن الصعوبات الفنية والإدارية ستظل عقبة أمام تنفيذ المنظومة بدقة لعدة أشهر مقبلة على الأقل، وهو ما يتطلب من الحكومة أن تبدأ تعميمها في محافظات غير كثيفة السكان في مرحلة أولى أسوة بمشروع التأمين الصحي الذي استغرق الإعداد له مدة أربع سنوات قبل الشروع في تعميمه خلال العام الجاري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك