عندما تصبح الخوارزمية معلماً.
الهندسة الرقمية لمواقف الأبناءفي سبعينيات القرن الماضي كانت غاية كل منتج، مذيع ومسؤول برامج أن يفهم جمهوره، فيسلسل له المحتوى بما يضمن بقاءه أمام الشاشة أو خلف المذياع أطول فترة ممكنة؛ فتوقيت النشرة، تتابع الفقرات، لحظة الإعلان حتى نبرة الصوت قبل الانتقال إلى موسيقى الفاصل، كل ذلك لم يكن أمراً عبثياً، وإنّما هندسة صممت بعناية فائقة، ذلك أن صناعة الإعلام تقوم على فكرة مفادها بأن جذب الانتباه علمٌ ذو قواعد ولا يأتي مصادفة.
لكن تلك الهندسة القديمة ورغم دقتها، كانت تخاطب جمهوراً عاماً مجهول الملامح؛ ملايين المشاهدين يتلقون الرسالة نفسها، في التوقيت ذاته، وصانع المحتوى لا يعرف شيئاً عن الشخص الجالس أمام الشاشة: عمره، مزاجه، ما يخيفه أو يضحكه.
أمّا اليوم، فقد انتقلت «هندسة الجمهور» من مخاطبة الكل، لتصبح علماً دقيقاً يخاطب الفرد الواحد؛ بينما تبني الخوارزميات -التي لا تقدم محتوىً موحداً بل تُطَبِّقُ تمييزاً لحظياً-، لكل طفل ومراهق جمهوره الخاص اعتماداً على ما يضغطه في ثوانٍ معدودة.
وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً: في الإعلام التقليدي، كان الجمهور يعرف -وإن كان بالحد الأدنى- من يخاطبه؛ قناة لها اسم، شركة لها هوية أو جهة معلنة يمكن مساءلتها.
أما في المنظومة الخوارزمية التي تحيط بأبنائنا اليوم، فالمرسل غائب تماماً؛ لا وجه له، لا اسم ولا جهة واضحة يمكن للطفل أو المراهق أن يسألها: من الذي يتحدث إليّ، ولماذا؟هذا الغياب للمرسل هو بالضبط ما يجعل «هندسة الجمهور» الرقمية أخطر من أي نسخة سبقتها؛ ذلك أنّ المواقف التي تتشكل لدى الأبناء تجاه أنفسهم والآخرين، وتجاه قضايا المجتمع، لم تعد نتاج حوار واعٍ أو تربية مقصودة، بل نتاج تراكم صامت لآلاف اللقطات التي اختارتها لهم خوارزميات لا تعرف عنهم سوى أنهم توقفوا أمامها لثانيتين أكثر من غيرها.
وهكذا لم تعد الخوارزمية مجرد أداة ترفيه أو تسويق، بل باتت تؤدي دوراً موازياً لدور المعلم والأسرة في تشكيل وعي الأبناء، دون أن تخضع لمنهج، أو تُسأل عن نتيجة.
وبالحديث عن هذه الهندسة الصامتة، فإن الأثر المترتب عليها يبدأ مبكراً، وفعلياً في مرحلة منزوعة القرار من طفولة الأبناء؛ فقد أثبت الباحث (جيم ماكنيل) أن الأطفال يبدأون في التعرف على الشعارات التجارية في عمر من الـ 12 إلى الـ 24 شهراً؛ وأنّ الطفل قد يتعلم كتابة الحرف الأول من علامة تجارية قبل أن يتقن كتابة اسمه.
وفي البيئات الرقمية ذات التغطية شبه الشاملة، يَتعرَّض الأبناء لآلاف الإعلانات يومياً، وهذا التدفق الهائل يُكوّن نماذج فكرية وقوالب ذهنية تُحدّد اختياراتهم قبل أن يطوّروا قدراتهم النقدية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا التأثير المبكر، بل يمتد إلى نافذة أكثر حساسية في العمر، هي مرحلة المراهقة؛ إذ تجمع دراسات حديثة في علم الاجتماع السياسي على أنها النافذة الأكثر حساسية في حياة الإنسان، وفيها تتشكّل مواقفه وهويته الاجتماعية والسياسية، ويكون العقل في أوج قابليته للتأثر، وهو في الوقت ذاته لا يزال يفتقر إلى الأدوات النقدية الكافية لمساءلة ما يُعرض عليه.
أمّا المفارقة الموجعة فتكمن في أن هذه المرحلة بالذات تشهد أعلى معدلات التعرض اليومي للمحتوى الخوارزمي، وهكذا تتقاطع أضعف نقطة في النمو المعرفي مع أعلى كثافة في التعرض للتأثير، في توقيت واحد تماماً.
وعلى اعتبار أننا بتنا نعيش عصر أنظمة تعليمية تدمج المنصات الرقمية على مدار اليوم، وحيث ان الأسر باتت تحظى بتغطية رقمية شبه كاملة واتصال فائق السرعة، وفي ظل رؤى وطنية تسعى حثيثاً نحو التحول الرقمي و»رقمنة الدول»، حيث ينشأ جيل كامل من «المواطنين الرقميين»، يصبح السؤال «من اختار لك أن تشاهد هذا؟ » أكثر إلحاحاً لا أقل؛ فكلما تقدمت البنية الرقمية للدولة، اتسعت مساحة التماس اليومي بين الطفل والخوارزمية، وازدادت الحاجة إلى فهم آلية هذه الهندسة الصامتة قبل التفكير في كيفية مواجهتها.
إنّ استمرارنا في الصمت أمام «هندسة الجمهور» الرقمية يسهم في صناعة جيل يحمل مواقف لا يعرف عنها ولا عن من صاغها، وفي الواقع أن هذه ليست دعوة للخوف من التقنية أو الهرب منها، وإنّما دعوة لإعادة صياغة السؤال «ماذا تشاهد؟ » ليكون «من اختار لك أن تشاهد هذا بالذات؟ »، ولعله يكون السؤال الأكبر الذي سيقود إلى تعزيز «المناعة الرقمية المعرفية» لدى الأجيال.
ولعلي أتناول في مقالات قادمة سبل تحويل هذا الوعي بآلية «هندسة الجمهور»، وطرق تعزيز «المناعة الرقمية المعرفية» والانتقال بها إلى مصاف الأدوات العملية داخل الأسرة والمدرسة، قبل أن يكبر أبناؤنا وهم يحملون مواقف لا يعرفون من صاغها لهم ولماذا!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك