«الجمال يشير إلى فتنة الجميل»الجميل قد يظهر في صورة خافتة وجذابة، ومن خلالهما يتسلل إلى كينونة المشاهد للفيلم، ولعل هذا الجمال الأفلاطوني قد مارس سحره في تاريخ السينما، فهو لا يتكلم إلا بصوت الجمال الغائب، كلمات نادرة تسقط على الروح لتوقظها من سباتها، وإلا ستنسحب من أجل أن تترك الخيال يتنزه في منتزه الذكريات.
ففي السينما يختلط علينا الواقع بالخيال، الحب باللاحب، المتعة بالألم؛ إنها مدرسة رومانسية نتعلم فيها فن الحياة، حين نحب الحياة نذهب إلى السينما، فاين توجد هذه السينما التي نتعلم فيها محبة الحياة؟ هل في الأفلام التي تعرض في القاعات السينمائية؟ ام في هذا الكتاب؟والحال أن مهمة السينما تكمن في تعليم المشاهد معنى الشغف بالحب، ما دام أن جوهرها هو الحب، ومعنى الذوق الإستيطيقي، لأن ماهيتها الفن لأنه عندما يكون الفيلم في قمة الفن، تصبح السينما في مقام عظمة الروح الإنسانية، ويكون هدفها تقريب اللذة من البرزخ، من أجل أن تتمكن من اعتقال الجميل الذي يعتقلنا بواسطة الحب، فالحب تجربة وجودية بين الاثنين تسمو بالروح نحو المطلق.
وبما أن ماهية الحب ميتافيزيقية، فإنه استطاع أن يمسي جوهرا للسينما، ومن دونه ستنزلق في العدمية، ويتم هجرانها من قبل العشاق، هؤلاء الذين من امتلكهم الشغف، واضحى يتصرف في مصيرهم، لأنه إذا كان المحب لا يرى في الحبيب سوى ما يرغب فيه، فبانعدام الرغبة يموت الحب.
فكلما اقترب الإنسان من الإنسانية فهم معنى الحب وقيمته الوجودية، ينظر إليه بقداسة وإجلال، يتمتع بمشاهدة ما يفعله الحب في العشاق، يذهب إلى السينما، لأنها مأوى الحب، والإنسان ليس سوى راع لهذا المأوى، تجده ينحني احتراما لفيلم العاشق، يتجول في دروب الحب باحثا عن حبيبته.
يا للدهشة أمام هذا اللقاء بين الحب والجميل في السينما، فصورة الحب لا تحقق كمالها إلا في الجميل، والجميل لا يشع بريقه سوى في السينما.
هذه هي سينما الجميل التي تمكنت من اعتقال كل هذه الأرواح وأصبحت تتصرف فيهم، إنها بمثابة قدر مبتهج يسيطر عليهم وكأنهم لاجئون سقفهم السماء وفراشهم الأرض، وبين السماء والأرض يتحقق نداء الفن المقدس.
ينبغي أن لا نتسلل إلى عتمة قاعة السينما، من دون الخطر المميت، وربما سنسقط ونوقظ ذلك النائم الحالم، فاللون هو ماهية الحلم، والضوء محركه من القوة إلى الفعل.
إنها لحظة فاتنة وغريبة في الوقت نفسه، أصل حلم اليقظة اللذيذ.
فعاشق الجمال لا يجده إلا في العتمة، نهاية سعيدة في الفيلم ليوم حزين في الواقع.
هروب من عالم يسوده الضجيج، اعتناق لأكبر خدعة على الإطلاق، بلغة غودار.
هكذا تبدو السينما هي عالم الحالمين بالسعادة والعاطلين عن العمل.
هذا الحب الذي يهدد الذات بالجنون بدلا من الوعي بالذات، لأن مشاهدة فيلم يروي قصة حب مستحيل يتسكع في أزقة مدينة البندقية، صورة كامدة منظرها رائع ورائق مثل الحب الذي تحاكيه، وتفرض على الممثل الفنان أن يتقن لعبة الحب، بلا حب، كما في فيلم «المجهول»، حيث ينخرط رجل مزيف في دوره بشغف، ويرضى بأن تقطع ذراعاه فعلا حبا بتلك الجميلة، التي لم تكن تتحمل أيدي الرجال، لكن بعد خسرانها سيسعى إلى أن يسترد ذراعيه، من خلال تدبير جريمة قتل لمنافس سليم الذراعين.
إنها نزوات الحب التي لا تنتهي، على الرغم من أن فيلم الحب قد انتهى، وعاد الضوء إلى القاعة وخرج الجمهور منهزما من فشل هذا الحب، بل دراما الحب، ولأننا نحب الحب فستظل السينما هي مأوى الروح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك