أغلبُ أقطارنا العربية تُنفق عشرات وربما مئات الملايين من الدولارات سنوياً، في الاحتفالات التي تقيمها في الأعياد الوطنية، وأحياناً للاحتفال بمناسبات ترتبط بشخص الرئيس أو الحاكم، وهذه الأموال والتكاليف، تتم جبايتها في نهاية المطاف من جيوب أبناء البلد وفقرائها والغلابة الكادحين، الذين يعملون ليل نهار من أجل كسب قوت يومهم.
واقع الحال أنَّ هذا الهوس في الاحتفال بالأعياد الوطنية، لا تجده إلا في عالمنا العربي، فلو تجولت في كل أنحاء القارة الأوروبية براً، فلن ترى -إلا نادراً- الأعلام الوطنية، بل إنك تنتقل في منطقة «الشنغن» من دولة الى أخرى، من دون أن تعلم بذلك، ومن دون أن ترى حتى لافتة أو قاطعاً حدودياً، أو علماً مرفوعاً يُشير لك بأنك خرجت من دولة وانتقلت إلى أخرى.
فضلاً عن أنك لا تجد أياً من هذه الدول تحتفل بعيد استقلالها، أو بأي من أعيادها الوطنية بالطريقة والشكل الذي نراه في بلادنا العربية.
مقترح لإعادة إنتاج التربية الوطنية في دولنا العربية على قاعدة أن من يُحب وطنه هو من يقدم لها خدمة، لا من يرفع علمها وصور رئيسها، ولا من يحتفل بمنتخبها لكرة القدمالحالُ ذاته في مختلف أنحاء العالم، فلو زرتَ كوريا الجنوبية، أو اليابان، أو سنغافورة ستدخل البلاد وتغادرها، من دون أن ترى علماً يُرفرف في الشارع، أو صورة كبيرة للرئيس، أو شباباً يرقصون في الشارع احتفالاً بعيد ميلاد الرئيس، أو بعيد استقلال الدولة، أو للاحتفال بأي من مناسباتها الوطنية، والسبب ببساطة أن هؤلاء يعلمون بأن من يحب بلده، هو الذي يخدمها لا الذي يرقص في شوارعها أو يُنفق أموالها في طباعة صور الرئيس.
في عالمنا العربي نحنُ أجدر بأن نقوم بتغيير ثقافة الاحتفال بأعيادنا الوطنية ومناسباتنا القومية، إذ لا معنى لنشر آلاف الأعلام وآلاف الصور في الشوارع وعلى رؤوس الجسور وعلى واجهات البنايات، بينما ينام في تلك الشوارع وفي أقبية هذه المباني ملايين الفقراء والجوعى، الذين لا يجدون قوت يومهم، ولا معنى لإقامة احتفالات شعبية كبيرة تجمع الشباب والشابات للرقص في الشوارع، بما يُكلف البلاد مبالغ مالية طائلة، بينما هؤلاء الراقصون هم أنفسهم أولى بهذه الأموال، إذ إن أغلبهم من أبناء الطبقة الفقيرة والكادحة، أو من العاطلين عن العمل الذين يضطرون لاستدانة رغيف الخبز! المقترح الجديد للاحتفال بهذه المناسبات الوطنية، هو أن نكف عن التباهي بالمظاهر التي تكلف البلاد ملايين الدولارات، وأن يتم تخصيص هذه الأموال لدعم الفقراء والمحتاجين وتمويل الجمعيات الخيرية وتوزيع الطرود الغذائية، وهذا ما سيبث الفرح والسرور في أوساط الناس أكثر من أي احتفال كبير أو رقص في الشارع.
أليس الأفضل والأولى أن تقوم كل وزارة أو دائرة حكومية، وحتى كل شركة خاصة، بتوزيع طرود غذائية على الفقراء بمناسبة عيد الاستقلال؟ أو يتم توزيع المساعدات المادية والعينية والملابس على الأطفال الفقراء في المدارس بمناسبة عيد ميلاد الحاكم أو الرئيس أو الملك؟ ألن يؤدي ذلك إلى بث الفرح والسرور في قلوبهم أكثر من الرقص في الشوارع، وأكثر من التلويح بالأعلام الوطنية؟ثم لماذا تزرعون في قلوب وعقول الناس أن التعبير عن حب الوطن يكون بوضع الصور والأعلام على الأبنية والسيارات، وعبر الاحتفال والرقص في الشوارع والدوائر الحكومية.
أليس الأولى والأجدر هو أن نزرع في قلوب مواطنينا بأن من يحب بلده هو الذي يقوم بخدمته؟ وأن من يريد الاحتفال بعيد الاستقلال أو بأي عيد وطني، فعليه أن يُقدم خدمة ما لوطنه؟ أليس من يتبرع بزراعة شجرة في الشارع أفضل بكثير ممن يرقص ويغني ويطبع صوراً وأعلاماً ويلوح بها؟هذا مجرد مقترح لإعادة إنتاج التربية الوطنية في دولنا العربية على قاعدة أن من يُحب وطنه هو من يقدم لها خدمة، لا من يرفع علمها وصور رئيسها، ولا من يحتفل بمنتخبها لكرة القدم.
من يزرع شجرة على قارعة الطريق، أو يحفر بئراً للماء، أو يُقدم طرداً غذائياً لفقراء بلده أفضل بكثير من كل المنشغلين بالمظاهر الكذابة.
ليس مهماً من يرفع الأعلام الوطنية وإنما المهم من يُقدم بدلاً من ذلك الخدمة والمساعدة لأبناء بلده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك