يمكن ملاحظة الفوارق الحالية بين إرث الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وسياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب، حيث تشهد تقاطعاً تاريخياً بين مدرستين متناقضتين جذرياً في إدارة القوة الأمريكية؛ اعتمد نهج أوباما على الدبلوماسية التعددية، القيادة الناعمة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، «الباكسا أمريكانا» أو «السلام الأمريكي»، بينما يرفع ترامب شعار «أمريكا أولاً»، مفضلاً القوة العسكرية التدميرية، الحمائية الاقتصادية، والسياسات الانعزالية، والاعتماد على الضغوط والاتفاقيات الثنائية المباشرة، وإشهار سيف العقوبات الاقتصادية الخانقة.
اتفاق 2015 المعروف رسمياً بـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» هو تسوية تاريخية قادها أوباما لفرض قيود صارمة ومستمرة على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.
واختارت الإدارة الأمريكية حينها مقاربة «لعبة الشطرنج» عبر الدبلوماسية الهادئة والمقايضة طويلة الأمد لاحتواء طهران بدلاً من تغيير النظام.
تتلخص معالم هذه الاستراتيجية التفاوضية والتاريخية على رهان أوباما على أن «لعبة الشطرنج» القائمة على الصبر ونقل القطع ببطء – ستعطل طريق إيران نحو امتلاك قنبلة نووية – وتزيد فترة «الانطلاق» (Breakout time) إلى عام أو أكثر.
وفضلت حينها، عزل الخلاف النووي عن باقي ملفات المنطقة، معتبرة أن التسوية المباشرة ستمنع سباق تسلح وتفتح الباب لترتيبات أمنية أوسع.
وافقت إيران بموجبه على تقليص أجهزة الطرد المركزي بنحو الثلثين والتخلص من 98% من مخزون اليورانيوم المخصب، بالإضافة إلى إعادة تصميم مفاعل «أراك» لمنع إنتاج البلوتونيوم العسكري.
حيث أدارت طهران المفاوضات بعقلية ناسج السجاد الذي يجيد الحسابات الإقليمية وموازين القوى، مستخدمة برنامجها النووي كورقة ضغط استراتيجية.
وسعت لتقديم تنازلات تكتيكية على الصعيد النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية واستعادة مليارات الدولارات من الأصول المجمدة.
وأكدت على بقاء برنامجها النووي (كحق سيادي) وبناء هيكل يحفظ استمرار نفوذها.
شكل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي نقطة تحول كبرى، حيث أدى إلى تقويض خطة العمل الشاملة المشتركة، وتسبب في تصعيد التوترات الإقليميةشكل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في مايو/ أيار 2018 نقطة تحول كبرى، حيث أدى إلى تقويض خطة العمل الشاملة المشتركة، وتسبب في تصعيد التوترات الإقليمية، ودفع إيران للتخلي تدريجياً عن التزاماتها النووية رداً على عودة العقوبات الأمريكية الصارمة.
تتوزع النظرة التقييمية لهذا القرار بين دوافع الانسحاب، آثاره الاقتصادية والسياسية، وتداعياته الأمنية، حيث رأت إدارة ترامب أن الاتفاق (المبرم عام 2015) معيب في جوهره؛ لكونه لا يضع قيوداً دائمة على البرنامج النووي، ولا يشمل تحجيم برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية أو نفوذها الإقليمي واعتبر ترامب الاتفاق «كارثياً» ويسعى لتصحيح سياسات الإدارة السابقة، وسط تقارير وتحليلات دبلوماسية أشارت إلى أن جزءاً من القرار كان مدفوعاً بالرغبة في إلغاء أبرز إنجازات أوباما.
ترامب انسحب من الاتفاق النووي الإيراني «نكاية في أوباما» أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية ومالية شاملة استهدفت قطاعات النفط والمصارف الإيرانية، وهددت بفرض عقوبات ثانوية على الشركات والدول الأجنبية التي تتعامل مع طهران.
أدت هذه العقوبات إلى تراجع حاد في صادرات النفط الإيرانية، وتهاوي قيمة العملة المحلية، مما أدخل الاقتصاد الإيراني في أزمة ركود وتضخم غير مسبوقة، رغم لجوء طهران لأساليب التفافية لتصدير النفط.
أثار القرار استياء الحلفاء الأوروبيين (فرنسا، بريطانيا، وألمانيا) الذين حاولوا الحفاظ على الاتفاق، إلى جانب معارضة روسيا والصين الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران وبالرغم من ذلك، نجحت واشنطن في استخدام هيمنة نظامها المالي لعزل إيران دولياً.
لقي الانسحاب ترحيباً واسعاً من قِبل «إسرائيل» والمملكة العربية السعودية، نظراً لتوافق رؤاهم مع الإدارة الأمريكية حول ضرورة تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني ووقف تمويلها للوكلاء.
أسفر الانسحاب عن نتائج عكسية فيما يخص الطموحات النووية؛ حيث أعلنت إيران تخليها التدريجي عن التزاماتها بموجب الاتفاق، وبدأت في رفع مستويات تخصيب اليورانيوم وتقليص وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تأثر إيران بانسحاب ترامب من «الاتفاق» أدخل البلدان في دوامة من التوترات والمواجهات المباشرة وغير المباشرة التي هددت أمن الملاحة في الخليج العربي، وأدت إلى تبادل الهجمات وصولاً إلى فترات التصعيد المباشر اللاحقة.
على المدى القصير، نجحت استراتيجية ترامب في ممارسة أقصى درجات الضغط المالي لتقييد الاقتصاد الإيراني، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة بإسقاط النظام الإيراني، أو إخضاعه.
تفضيل أوباما اللعب على لوح الشطرنج مع إيران، واستجابة الأخيرة لبعض البنود، جنب المنطقة من كارثة الحروب، صحيح أن طهران التفت في الكثير من القضايا على البنود، إلا أن الاتفاق منع إيران من الوصول إلى حالة العتبة النووية؛ بينما ترامب استخدم القوة العسكرية التدميرية ويخوض إلى هذه اللحظة مفاوضات ماراثونية، وأسلوبه يشبه حلبة المصارعة، وذلك بعد التأكد من ضعف الخصم، إذ يقرر توجيه الضربة القاضية آخر جولة للاستمتاع وإمتاع الجمهور.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك