واصلت طهران سياساتها العدوانية ضد دول المنطقة والعالم، من خلال السعي للسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف بعض السفن بحجة مرورها في مسارات غير مصرّح بها.
وكان وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي قد أكد، أن طهران وحدها المسؤولة عن حركة الملاحة في المضيق، محذرا من أن أي تدخل خارجي لن يؤدي إلا إلى تعقيد الوضع.
فهل تسعى طهران إلى لعب دور شرطي المضيق، بعد أن مارست دور شرطي المنطقة قبل عام 1979؟لا شك في أن ما تقوم به طهران من اعتداءات على السفن المارة في مضيق هرمز، وإصرارها على السيطرة العسكرية عليه، يمثل تصعيدا في أعمال العنف، في حين لا الولايات المتحدة، ولا دول الخليج العربي، ولا حتى المجتمع الدولي يمكن أن يقبلوا بذلك.
وقد نصت مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة على حرية الملاحة في هذا الممر المائي، لكن طهران تربط حرية الملاحة بشرط، أن تكون الملاحة تحت سيطرة وإدارة إيرانية، وأن الممر من الجانب الشمالي لمضيق هرمز، الذي يقع في مياهها الأقليمية، هو الوحيد المسموح لمرور السفن فيه، وأن أي ممر آخر لا يخضع لسيطرتها، سوف يكون غير آمن من التعرضات الإيرانية.
وبذلك يتضح جليا أن طهران تريد استخدام المضيق كورقة سيطرة وأداة ضغط على كل الأطراف.
لقد دعت الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، إيران وعُمان، إلى تسهيل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
والمقصود به أنه بعد أربعين يوما من الحرب، وتوقف حركة الملاحة وزحمة السفن، ووجود ألغام بحرية زرعتها إيران، فإن على مسقط وطهران القيام بما يلزم فنيا وإداريا لإزاحة كل هذه العوائق.
لكن صانع القرار الإيراني قرأ هذه الفقرة في ضوء السردية التي يتغنى بها دائما، وهي أن المضيق يقع في المياه الإقليمية الإيرانية، لذلك عندما اتفقت سلطنة عُمان مع المنظمة البحرية الدولية، على فتح ممر آمن لحركة السفن في مياهها الإقليمية، شعورا منها بالمسؤولية الدولية الملقاة على عاتقها، باعتبارها دولة مشاطئة للمضيق، استهدفت إيران السفن التي مرت في هذا الممر.
وهذا دليل واضح على البلطجة والتناقض الإيراني، أولا لأنها تدخلت في شأن سيادي عُماني.
وثانيا هي تحاول لي ذراع المجتمع الدولي من خلال التحكم والسيطرة بالمضيق.
وبذلك فإن ما تقوم به طهران في المضيق، إنما هو قرصنة وإرهاب دولة، وليس له أي تعريف آخر في القانون الدولي.
تحاول إيران لي ذراع المجتمع الدولي من خلال التحكم والسيطرة بالمضيق.
وما تقوم به، إنما هو قرصنة وإرهاب دولة، وليس له أي تعريف آخر في القانون الدوليإن استهداف إيران للسفن العابرة في الممر، الذي أوجدته سلطنة عُمان، هو خرق صريح لوقف إطلاق النار الوارد في الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم.
صحيح أن المذكرة فيها نقاط ضعف، جعلت القراءة فيها مفتوحة لكل طرف، لكن في الوقت نفسه فيها مخارج للمشاكل التي قد تحصل بين الطرفين، من خلال لجنة التنفيذ والمراقبة المشكّلة من فنيين، والتي لديها الحق في البت في أي تظلّم أو اعتداء، وإذا عجزت عن الحل فإنه يمكن أن تُرفع القضية إلى اللجنة العليا المكونة من رؤساء الوفود، لكن الإيرانيين أفرطوا في الكلام، وتركوا البند الأول من المذكرة خلف ظهورهم، وفسروا الأمر حسب هواهم.
وإذا أمعنا النظر في توقيت الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على السفن العابرة في الممر العُماني، نجد أنها جاءت متزامنة مع زيارة وزير الخارجية الأمريكية إلى الخليج، ومشاركته في قمة المنامة، وبذلك تكون الرسالة الإيرانية واضحة، بأن أمن الخليج العربي هو حق حصري لها، ولا يمكن التصرف به من دونها.
لا شك في أن مضيق هرمز في القراءة الإيرانية، أمر أمني وليس فقط اقتصاديا.
وهم اليوم يصرون على أنه لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، عكس ما تقوله واشنطن ودول الخليج والعالم.
كما يقولون إذا أرادت هذه الدول أن تعود الأمور كما كانت، فلا بد من اتفاقية تعطيهم الحق في السيطرة وإدارة المضيق.
وهذا الطموح الإيراني بدأت أولى محاولات تحقيقه مع سلطنة عُمان أثناء الحرب.
فقد اتفقت مع مسقط على إدارة الملاحة في المضيق بإشراف مشترك، وفرض رسوم تُجبى من السفن التجارية العابرة، لكن إعلان مسقط المفاجئ مع المنظمة البحرية الدولية، عن فتح ممر جديد للملاحة الدولية ضمن مياهها الأقليمية من دون التشاور معها، دفع الحرس الثوري إلى القول إن المسارات الوحيدة المُصرّح بها لعبور السفن، هي تلك التي تحددها طهران ولا أحد غيرها.
وهذا إعلان صريح بأن جهود إيران لفرض معادلة جديدة بشأن مضيق هرمز لم تنجح، رغم المحادثات التي أجراها وفد إيراني كبير في مسقط، بعد انتهاء مفاوضات سويسرا مباشرة.
وهو حال دفع طهران ليس إلى التمسك بورقة المضيق وحسب، بل الدفاع عنها عسكريا كما فعلت خلال الحرب.
إن تصريحات وزير الخارجية الإيرانية، بشأن مسؤولية طهران وحدها عن حركة الملاحة في مضيق هرمز، تعني أن إيران تُعلن احتكارها له، وأنها المالك الأمني الجديد لهذا الممر الدولي، وهذا ليس من حقها لأنه يتنافى مع القانون الدولي وقانون البحار والأعراف الدولية.
وفي النهاية هو يعني أن طهران تريد استخدامه كورقة سياسية بيد الحرس الثوري، لأنها الورقة الوحيدة الأخيرة بيدها.
ويبدو واضحا أن السلوك السياسي والعسكري الإيراني هو استمرار لخطاب إيراني سابق قبل عام 1979، عندما كان الشاه محمد رضا بهلوي يعتبر كل الخليج العربي مجالا وبُعدا حيويا لإيران، وأنه الشرطي الوحيد على هذه المنطقة.
وطهران بهذا السلوك سوف لن تواجه رفضا لهذه السياسة من دول الخليج العربي وحسب، بل ستواجه غضب العالم كله، لأن الموضوع يمس سلامة الاقتصاد الدولي.
بالتالي ستجد نفسها أمام إرادة دولية ترفض سلوكها في هذا الملف، بما في ذلك الدول الحليفة والصديقة لها مثل الصين وروسيا.
إن تردد الولايات المتحدة في التعامل بحزم مع إيران، وتسرّعها الذي كان قد تُرجم في التوقيع على مذكرة التفاهم، عزز الأفراط في الثقة الذاتية لدى صانع القرار الإيراني.
يضاف إلى ذلك الموقف الحكيم والمسؤول لدول الخليج العربي، في التريث والصبر الاستراتيجي وعدم الرد، والسعي الحثيث لدى الولايات المتحدة لإيقاف الحرب ومنع التصعيد، كلها جعلت إيران تعتقد ان الجميع بات في حالة من الهلع والخوف منها.
لكنها نسيت أن قضية المضيق هي قضية أمن أقليمي ودولي، وليست قضية ثنائية بين الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة ثانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك