تشترك قصص هدى حمد هذه، بالتفافها حول المرأة وقضاياها من دون أن يغيب عنها عنصرا التشويق والامتاع.
فهي تنقل أحوال المرأة والزواج والأمومة والمجتمع بلغة جزلة وسرد جميل.
ترسخ هدى حمد نفسها مرة أخرى عيناً ساهرة تنقل أحوال النساء وشؤونهن وأوجاعهن.
يستغرب القارئ للوهلة الأولى العنوان الذي تختاره هدى حمد لمجموعتها، " لا يلتئمان"، فمن هما اللذان لا يلتئمان؟ وهل الفعل يعني اثنين لا يجتمعان أم يعني جرحين لا يُشفيان؟ جملة فعلية قائمة على نفي قاطع وعلى فعل فاعله مستتر لا يُعرف على مَن يدل.
تترك هدى حمد قارئها منذ عنوان المجموعة مشوشاً مشوقاً لا يعرف ماذا يتوقع وعلامَ سيقع.
لكن الغوص في المجموعة وفي قصص شخصياتها يكشف أن اللذين لا يلتئمان هما الرجل والمرأة في القصص كلها.
قد يمكننا أن نأخذ التحليل والتأويل إلى أعمق من ذلك، لنقول إن المرأة والحب هما اللذان لا يجتمعان أو المرأة والفرح، فالملاحظ أن المرأة هي الضحية الأولى والبدهية في قصص هدى حمد كلها، الضحية التي تخسر في الحالات والاحتمالات كلها.
نماذج نساء مختلفات يتعرضن للضرب والقتل والتعنيف والتعذيب في القصص كلها، ليأتي هذا النفي الجازم منذ العنوان مفهوماً ومنطقياً ومبرراً: يبدو أن الرجل والمرأة لا يلتئمان لا في عالم هدى حمد ولا في الواقع.
نماذج نسائية مقهورة ومكلومةتكتب حمد المرأة المظلومة والمضطهدة في مختلف أوجه الاستبداد الذي تعانيه، فتجسد طوال مجموعتها القصصية النفي الوارد في العنوان على اختلاف أدوار المرأة.
وعلى أن كثراً سيرون في هذا النفي ما لا ضرورة له من تشاؤم وسوداوية إلا أنه يبدو أن المرأة سواء أكانت أماً أو زوجة أو ابنة أو عروساً جديدة هي الضحية الأزلية والصوت غير المسموع والجسد المنتهك.
من ناحية أولى يقع القارئ على نموذج الزوجة المقتولة أو أقله تلك التي تتعرض للضرب بشكل دائم، فتختار الكاتبة أن تفتتح مجموعتها بقصة أولى يقتل فيها الزوج زوجته، لتكر من بعدها سبحة المعاناة التي تعيشها المرأة- الزوجة.
ثلاث قصص من أصل سبع تحتوي على زوجات معذبات مضروبات معنفات على أيدي أزواجهن، في اثنتين منهما تموت الزوجة، لكن الأقسى من ذلك أن الزوج يكذب ويدعي البراءة ويغير سبب الوفاة الحقيقي ولا أحد يكتشف قباحة جريمته.
هي حال الزوجة في القصة الرابعة مثلاً التي تموت مقتولة وتكون الابنة هي الشاهدة الوحيدة على حقيقة ما جرى لكنها أعجز عن الإخبار والإبلاغ عن والدها.
أما في القصة الثالثة التي لا تتعرض فيها المرأة للضرب على يد زوجها لدواعي السفر، فيكون والد زوجها هو الذي يضربها.
فتقول الراوية: " ينهرها والد زوجها بعنف على بكائها.
ذلك الرجل الذي يُشرف على البيت الكبير الذي تعيش فيه زوجات أبنائه الأربعة في غياب الأبناء الذين يعملون جميعهم في الكويت.
كل من في البيت يخشاه، فهو لا يتورع عن شتم إحداهن أو حتى ضربها.
"بعد المرأة- الزوجة، تأتي الابنة الكبرى التي تضطر إلى التحول إلى أم لإخوتها، بعد وفاة والدتها.
تتكبد الابنة الكبرى في القصص التي تسردها هدى حمد مشاق تربية إخوتها، فتقول الكاتبة في القصة الأولى: " كان على البنت الكبرى أن تصير أماً لإخوتها، وأن تتوقف عن الذهاب إلى الرعي، لتطهو طعامهم وتغسل ثيابهم وتنظف بيتهم من دون أن يطلب منها أحد فعل ذلك.
" كذلك يتكرر هذا العبء المنوط بالابنة الكبرى في القصة الثالثة، فتكتب حمد: " لا تكبرهم حبيبة إلا بأعوام قليلة، غير أنها ومنذ خمس سنوات غدت أمهم التي تنهض بكل شيء من دون كلل.
"وإن لم تتحول الابنة إلى أم تقع على عاتقها أوزار العائلة، تتحول إلى عروس/ أضحية تُقدم إلى عريس لا تعرفه ولم تره يوماً في حياتها ولا تعرف ماذا ينتظرها منه.
في القصة الثانية مثلاً" حجرتان متجاورتان" تصف الكاتبة حال العروس الشابة الخائفة وهي في طريقها إلى لقاء زوجها المستقبلي الذي لا تعرف عنه شيئاً: " مرارة لزجة ترتفع من معدتها المتهيجة إلى حلقها، يليها انقباض عنيف يدفعها لأن تفتح فمها قسراً مرات ومرات، حتى تندفع المرارة الصفراء خارج جسدها مجدداً.
" وكأن الفتاة نعجة بلا إرادة ولا تفكير ولا رأي يسوقونها إلى سكينة الذبح من دون مراعاة مشاعرها ومخاوفها ورغباتها.
أما ليلة الزواج الأولى فهي ليلة مشؤومة لنساء هدى حمد جميعهن، فتكتب مثلاً عن عروسين تزوجتا شقيقين وهما لم ترياهما من قبل، وتصف لحظة دخول كل منهما غرفتها الزوجية في ليلتها الأولى: " عندما أغلِق الباب، بدأت العروسان بالصراخ الهستيري، طرقت كل واحدة منهما بابها بعنف، وكلتاهما تسمع صوت الأخرى وكأن الألم ملتحم بينهما، لكن أحداً لم يفتح لهما الباب.
"تتعرض نساء هدى حمد لكثير من التنكيل والاضطهاد والعنف، وهو ليس أمراً غريباً على المرأة العربية، حتى الفتاة التي لا تزال يافعة والتي لا تزال في بيت والديها يجب أن تلتزم أصولاً معينة وقواعد تصرف واضحة لئلاً ينالها العقاب، الجسدي أو المعنوي، وكلاهما أسوأ من الآخر، فتكتب حمد في القصة الثالثة: " تصرخ مي: " أريد شعراً مفتوحاً"، وكانت الأم تريده مشدوداً معقوصاً كما ينبغي للبنت المهذبة أن تفعل.
"يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وصفات الفتاة المهذبة واضحة: لا تتعلم، لا ترفع صوتها، لا تعترض، لا تفلت شعرها، لا تضحك، لا تدع أحداً يشعر بوجعها أو حزنها أو همومها.
الفتاة المهذبة فتاة خاضعة خانعة مقموعة تفعل ما يُطلب منها.
وهي وإن فعلت ذلك لا تسلم دوماً من الضرب والتنكيل والقتل.
تقدم هدى حمد بوصفها الجميل والدقيق والثاقب نماذج المرأة الفريسة لكنها ترسم أيضاً الرجل، هذا الزوج القاتل أو الأب القاسي المجحف.
يبدو الرجل في معظم قصص هذه المجموعة كائناً أنانياً غاضباً يمارس ذكوريته المتعجرفة من دون حسيب ولا رقيب.
يضرب ويغضب ويقتل ويعاقب ويقرر والمرأة أمامه عبد مطيع لا حول له ولا قوة.
تسيطر على تيمات هذه المجموعة القصصية قضايا المرأة: تعليمها تنشئتها زواجها ضعفها عجزها جسدها دواخلها إنجابها.
إلخ.
لكن الملاحظ أن القصص تدور في زمن بعيد وفي بيئة فقيرة ريفية.
القصص كلها تتناول العائلة التي ترعى الأغنام أو العائلة التي تزرع لتعيش أو الزوج الذي يسافر إلى الكويت والبحرين ليعمل.
تدور الأحداث في هذه القصص السبع في جبال وقرى وأرياف في زمن بعيد قد يكون منتصف القرن الماضي أو ما يناهزه.
وعلى رغم جمالية السرد والوصف، وعمق الموضوعات المطروقة وواقعيتها، تعود هدى حمد بقارئها إلى أعوام سلطنة عمان البعيدة حين كانت السيارة والراديو والتكنولوجيا أموراً غريبة، فتكتب مثلاً: " اقتربت النساء من السيارة يلمسنها [.
]" لا بد وأن عائلة الزوج مقتدرة، فخضيرة أول فتاة تُزف في سيارة! "، أو تتحدث عن الراديو مثلاً في قصتها الثانية قائلة: " يرفع الراديو إلى جوار أذنه ويشرع في تحريك مؤشره.
لم ترَ شنة مثيلاً لذلك في قريتها.
" فلماذا هذه العودات إلى زمن بعيد؟ ألا مشكلات تواجهها المرأة المعاصرة؟ لماذا لم تختر هدى حمد أن تكتب عن امرأة سلطنة عمان اليوم؟ لماذا هذا الهرب إلى الماضي السحيق؟ لماذا يغيب الحديث عن الواقع المعاصر والمرأة المعاصرة والمرأة العاملة؟ كيف هي ظروف عالم المرأة اليوم؟ هل تتعلم؟ هل تعمل؟ ما تحدياتها اليوم؟ كيف هي أحوال الزواج والإنجاب والعيش في يومنا هذا؟ وكيف تستمر المرأة في ظل كل ما يجري حولها من تطور وتغيير واختراق القيم الغربية المجتمعات العربية؟ يبدو أننا قد نضطر إلى انتظار مجموعة هدى حمد الجديدة لنكتشف ذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك