تستضيف تركيا يومي 7و 8 من تموز الجاري قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، في ثاني استضافة تركية لقمة قادة الحلف منذ قمة إسطنبول عام 2004، وذلك في وقت يشهد فيه العالم تصاعدا في الأزمات الأمنية والعسكرية، ما يمنح الاجتماع أهمية خاصة في رسم ملامح المرحلة المقبلة للحلف.
وتأتي القمة، وهي الاجتماع 36 لرؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واتساع نطاق التهديدات السيبرانية، إلى جانب تنامي المنافسة الجيوسياسية عالميا، وهي تحديات تدفع الحلف إلى إعادة تقييم أولوياته الدفاعية وآليات الردع الجماعي.
تُعد القمة محطة مهمة في مسار الناتو، إذ يُنتظر أن يناقش القادة عددا من الملفات الاستراتيجية، من بينها تعزيز منظومة الدفاع الجماعي، ورفع جاهزية قوات الحلف، وتقاسم الأعباء الدفاعية بين الدول الأعضاء، وتطوير الصناعات الدفاعية، فضلا عن مواصلة دعم أوكرانيا وتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات السيبرانية والهجينة.
كما يتوقع أن تتناول الاجتماعات سبل تعزيز الإنتاج الدفاعي المشترك، وتوسيع التعاون في مجالات الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، بما يواكب المتغيرات الأمنية التي فرضتها الحروب والنزاعات خلال السنوات الأخيرة.
أنقرة تؤكد ثقلها داخل الحلففي تصريح لوكالة رويترز، قال وزير الدفاع التركي يشار غولر إن القمة ستركز على وحدة الحلف، وزيادة الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، إلى جانب مواصلة دعم أوكرانيا.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الحلف، لكنها ترغب في أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا مسؤولية أكبر عن أمن أوروبا، مؤكدا في الوقت نفسه أن هذا التوجه ينبغي أن يتضمن إشراك تركيا بصورة أوسع في الخطط والمبادرات الدفاعية الأوروبية.
من جانبها نقلت وكالة الأناضول، عن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، تأكيده أن القمة تحمل أهمية تاريخية في رسم الرؤية الاستراتيجية لمستقبل الحلف، مشيرا إلى أن تركيا، بحكم موقعها الجيوسياسي وقدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية، تُعد من أبرز المساهمين في أمن الناتو منذ أكثر من سبعة عقود.
وتنضم تركيا إلى الحلف منذ عام 1952، وتمتلك أحد أكبر الجيوش بين الدول الأعضاء، كما تستضيف عددا من المنشآت العسكرية ذات الأهمية الاستراتيجية للحلف، الأمر الذي يجعلها شريكا محوريا في منظومة الأمن الأطلسية، لا سيما في ظل موقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود.
وفي موازاة استضافة القمة، تستعد تركيا للكشف عن مقر القيادة المشتركة الجديد" آي يلدز" أو" الهلال والنجمة"، في أول ظهور رسمي للمجمع العسكري الذي يهدف إلى توحيد قيادة المؤسسات الدفاعية التركية تحت سقف واحد.
ويمنح توقيت الكشف عن المجمع، بالتزامن مع حضور قادة الناتو في أنقرة، بعدا رمزيا لافتا، إذ تسعى تركيا إلى إبراز تطور بنيتها العسكرية وقدرتها على إدارة ملفات الدفاع والأمن من مركز قيادة موحد، بما يعزز صورتها كشريك فاعل داخل الحلف وفقا لما كشفته وكالة الأناضول.
قمة إسطنبول 2004… محطة تاريخيةوتعود آخر استضافة تركية لقمة الناتو إلى حزيران 2004، عندما احتضنت إسطنبول القمة السابعة عشرة لرؤساء دول وحكومات الحلف، بمشاركة قادة 26 دولة عضو آنذاك، إضافة إلى ممثلي عشرين دولة شريكة.
وأسفرت تلك القمة عن قرارات استراتيجية بارزة، شملت توسيع مهمة الناتو في أفغانستان، وتقديم الدعم التدريبي لقوات الأمن العراقية، وإنهاء عمليات الحلف في البوسنة والهرسك، وتعزيز القدرات العملياتية، إلى جانب إطلاق مبادرات جديدة للشراكة والتعاون.
مشاركة واسعة لقادة العالمويشارك في القمة قادة الدول الأعضاء 32 في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يتقدمهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصفته رئيس الدولة المضيفة، إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فضلاً عن قادة وحكومات بقية الدول الأعضاء.
كما يشارك الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الذي يرأس اجتماعات القمة، في حين يحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بصفة ضيف، إلى جانب قادة دول مجموعة" إيه بي 4" (AP4)، التي تضم أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، في إطار تعزيز التعاون بين الحلف وشركائه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتشهد القمة أيضا مشاركة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إلى جانب نحو مئة وزير للخارجية والدفاع، وكبار الدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية، فضلاً عن آلاف الضيوف والإعلاميين من مختلف أنحاء العالم.
ومن المتوقع أن يجري الرئيس رجب طيب أردوغان سلسلة لقاءات ثنائية على هامش القمة مع قادة الدول والحكومات المشاركين.
إجراءات أمنية وإعلامية غير مسبوقةاتخذت السلطات التركية إجراءات أمنية واسعة لتأمين أعمال القمة، إذ كلّفت 56 ألفا و288 عنصرا أمنيا، بينهم 48 ألفا و841 من أفراد الشرطة و7 آلاف و447 من قوات الدرك، وفقا لما أوردته وكالة الأناضول.
وفي المجال السيبراني، سيتولى 639 مختصا تنفيذ دوريات إلكترونية على مدار الساعة لرصد أي هجمات أو محاولات اختراق قد تستهدف القمة أو البنية التحتية الرقمية المرتبطة بها، في انعكاس للأهمية المتزايدة للأمن السيبراني بوصفه أحد أبرز ميادين الصراع الحديثة.
وعلى الصعيد الإعلامي، تقدّم نحو ثلاثة آلاف صحفي ومصور وممثل عن مؤسسات إعلامية وقنوات تلفزيونية ومنصات رقمية من مختلف أنحاء العالم بطلبات اعتماد لتغطية القمة، ما يعكس حجم الاهتمام الدولي بالاجتماع وفقا للمصادر ذاتها.
وفيما يتعلق بالرئيس الأميركي، وبحسب جهاز الخدمة السرية الأميركي (U.
S.
Secret Service)، يتولى الجهاز مسؤولية حماية الرئيس الأميركي خلال تنقلاته داخل الولايات المتحدة وخارجها، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية في الدولة المضيفة، في حين لا تُعلن واشنطن عادة تفاصيل الترتيبات الأمنية أو حجم الفريق المرافق للرئيس، لأسباب تتعلق بالسلامة وسرية الإجراءات.
يتصدر الملف الأوكراني جدول أعمال القمة، إذ يسعى الحلف إلى تجديد التزامه بدعم كييف عسكريا وسياسيا، مع التركيز على تعزيز الدفاعات الجوية، وتوسيع برامج التدريب، وزيادة إنتاج الذخائر والصواريخ.
كما يناقش القادة مستقبل الدعم الأوروبي في حال إجراء أي تعديلات على حجم الوجود العسكري الأميركي في القارة، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية بين الحلفاء.
وتشير التوقعات إلى أن يبحث المجتمعون آليات استمرار الدعم طويل الأمد لأوكرانيا، إلى جانب بحث حزم إضافية من المساعدات العسكرية والتدريبية، بما يضمن استمرار قدرات كييف الدفاعية.
الشرق الأوسط وإيران على جدول الأعمالورغم أن الحرب في أوكرانيا ستبقى القضية الرئيسية، فإن التطورات الأمنية في الشرق الأوسط ستكون حاضرة بقوة في مناقشات القمة، خاصة في ضوء التصعيد العسكري الأخير في المنطقة وما رافقه من استخدام واسع للصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على أهمية أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر.
كما يناقش الحلف أمن الممرات البحرية، وحماية البنية التحتية للطاقة، والتعاون مع الشركاء الإقليميين، إلى جانب سبل الحد من تداعيات الأزمات الإقليمية على الأمن الأوروبي والأطلسي.
يرى مراقبون أن القمة قد تفضي إلى توافقات بشأن تعزيز الإنفاق الدفاعي، وتسريع تطوير الصناعات العسكرية المشتركة، وزيادة الاستثمارات في الأمن السيبراني والدفاع الجوي، إضافة إلى تجديد الالتزام بالدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة من معاهدة واشنطن مع أهمية الحفاظ على وحدة الحلف في مواجهة التحديات الأمنية المتعددة، مع التشديد على مواصلة التنسيق بين الحلفاء في القضايا الدولية ذات الأولوية.
أنقرة أمام اختبار دبلوماسي وأمنيوتأتي استضافة أنقرة للقمة بعد أكثر من عقدين على قمة إسطنبول، في وقت يواجه فيه الناتو تحديات متشابكة تشمل الحرب في أوكرانيا، والتوترات الإقليمية، والتهديدات السيبرانية، وسبل تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء.
وبالنسبة لتركيا، تمثل القمة فرصة لإبراز دورها باعتبارها أحد اللاعبين الرئيسيين داخل الحلف، وللتأكيد على قدرتها التنظيمية والدبلوماسية في استضافة واحدة من أكبر القمم الأمنية العالمية.
ومع ترقب البيان الختامي، تتجه الأنظار إلى أنقرة بوصفها مركزا للنقاش حول مستقبل الأمن الأوروبي والأطلسي، في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل تعقيدا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث ستحدد مخرجات القمة إلى حد التعاون الدفاعي داخل الحلف خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك