عندما وضعت الحرب الباردة أوزارها، معلنة انتصار الغرب بقيادة الولايات المتحدة وانهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح اقتصاد السوق النموذج المهيمن على مسارات التنمية، فاتجه عدد كبير من الدول، خاصة النامية، إلى تبني برامج الإصلاح الهيكلي باعتبارها البوابة الرئيسية للاندماج في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، رغم التداعيات القاسية التي ارتبطت بها في كثير من الأحيان، والتي تراوحت بين ارتفاع معدلات التضخم وتزايد البطالة وتراجع مستويات الحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، حرصت المؤسسات الاقتصادية الدولية على تبني نهج يقوم على التدرج في تنفيذ تلك الإصلاحات، انطلاقا من إدراكها أن الانتقال المفاجئ قد يفضي إلى صدمات اقتصادية واجتماعية تفوق قدرة الدول النامية على استيعابها.
إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بجدوى الإصلاحات الهيكلية أو ضرورة الالتزام بها رغم تكلفتها، بقدر ما يتعلق بما إذا كانت ما تزال تؤدي الوظيفة ذاتها التي ارتبطت بها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أم أن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة أعادت تعريف أهدافها وأولوياتها، بحيث لم تعد تقتصر على تهيئة الدول للاندماج في الاقتصاد العالمي، وإنما أصبحت تؤدي وظائف أخرى ترتبط برفع كفاءة الدولة، وتعزيز قدرتها على التكيف مع بيئة دولية أكثر تعقيدا وتشابكا.
فلو نظرنا إلى الإصلاحات الهيكلية خلال العقود التي أعقبت الحرب الباردة، نجد أنها ارتبطت بنظام اقتصادي عالمي اتسم في جوهره بالليبرالية الاقتصادية، وإن حافظ في الوقت نفسه على قدر من التدرج في إدارة عملية الانتقال.
فلم يكن المطلوب من الدول تنفيذ الإصلاحات دفعة واحدة، كما أن الانخراط في هذا المسار كان يقابله هامش متزايد من المزايا، سواء من خلال اتساع حرية انتقال السلع والخدمات، أو تدفق الاستثمارات، أو المنح والمساعدات التي قدمتها القوى الاقتصادية الكبرى، فضلا عن التسهيلات التي وفرتها المؤسسات المالية الدولية في برامج الإقراض وإعادة الجدولة، بما جعل الإصلاح جزءا من عملية اندماج تدريجية في الاقتصاد العالمي.
غير أن هذه المعادلة شهدت تحولا ملحوظا خلال المرحلة الراهنة، مع تراجع زخم العولمة التقليدية، واتساع نطاق سياسات الإغلاق الانتقائي، وتصاعد النزعات الحمائية، وتزايد استخدام الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية في إدارة المنافسة الدولية.
وفي ظل هذه البيئة، لم تعد الدول تواجه فقط تحدي تنفيذ الإصلاحات، وإنما أصبحت مطالبة أيضا ببناء قدرات داخلية تمكنها من التعامل مع عالم أكثر تقييدا، وأقل استعدادا لمنح المزايا التي ارتبطت بموجة الإصلاحات الأولى.
وهنا لا يتمثل التحول الأهم في الإصلاحات الهيكلية في طبيعتها أو حتى في تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما يتمثل في اتساع الوظيفة التي تؤديها.
فإذا كان الإصلاح خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة يهدف بالأساس إلى تهيئة الدول للاندماج في الاقتصاد العالمي والتكيف مع متطلباته، فإنه بات يؤدي في المرحلة الراهنة وظيفة إضافية تتمثل في بناء القدرات المؤسسية والتشغيلية للدولة، بما يعزز قدرتها على حماية استقلالية قرارها، ورفع كفاءة استجابتها للضغوط الخارجية، في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة على توجيه السياسات الوطنية.
وإذا كانت وظيفة الإصلاح قد اتسعت بهذا الشكل، فإن ذلك يطرح تساؤلًا آخر لا يقل أهمية، يدور حول الكيفية التي يمكن للدولة بها أن تعيد تنظيم بنيتها الداخلية بحيث تصبح قادرة على أداء هذه الوظيفة الجديدة.
ولعل الحديث عن إعادة تنظيم البنية الداخلية للدولة لا يقتصر على تطوير الهياكل الإدارية أو إعادة توزيع الاختصاصات بين مؤسساتها بصورة منفردة، وإنما يمتد إلى إعادة هندسة العلاقة بينها، بما يحقق قدرا أكبر من التكامل في آليات صنع القرار، وسرعة الاستجابة للمتغيرات، وتنسيق الأدوار والوظائف.
فالمعيار لم يعد يتمثل في كفاءة كل مؤسسة على حدة، بقدر ما أصبح يرتبط بكفاءة عمل مؤسسات الدولة كوحدة تشغيلية واحدة، قادرة على التعامل مع الضغوط الخارجية باعتبارها منظومة متكاملة وليست أجهزة منفصلة.
وهنا تبرز أهمية ما أسميته في المقال السابق بـ”NAPS”، أو “National Architecture for Policy Sovereignty” (الهندسة الوطنية لسيادة السياسات)، باعتباره الامتداد الداخلي لمفهوم “GAPS” أو “Global Architecture for Policy Sovereignty” (الهندسة العالمية لسيادة السياسات)، والذي تناولت أبعاده في سلسلة من المقالات.
فإذا كانت “GAPS” تعبر عن التحولات التي أعادت تشكيل بيئة السيادة والضغوط المؤثرة في القرار الوطني، فإن “NAPS” تفسر الكيفية التي تعيد بها الدولة بناء بنيتها المؤسسية والتشغيلية، بما يعزز قدرتها على التكيف مع تلك التحولات، والحفاظ على استقلالية قرارها في مواجهة الضغوط الخارجية.
السطور سالفة الذكر تعكس حقيقة أن الإصلاحات الهيكلية في المرحلة الراهنة لم تعد تقاس فقط بما تحققه من أرقام صماء في خانة النمو الاقتصادي، وإنما بقدرتها على رفع كفاءة الدولة في إدارة مواردها ومؤسساتها وصناعة قرارها، باعتبار أن هذه العناصر أصبحت جزءا أصيلا من معادلة السيادة ذاتها، فإذا كانت التحولات الدولية قد أعادت تشكيل البيئة الخارجية التي تعمل في إطارها الدول، فإن الحفاظ على القدرة على التكيف معها لم يعد رهنا بالإصلاح الاقتصادي وحده، وإنما بامتلاك بنية وطنية قادرة على تحويل هذا الإصلاح إلى قوة تشغيلية متكاملة.
وهنا يمكننا القول بانه إذا كانت مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد ارتبطت بإصلاحات هدفت إلى دمج الدول في الاقتصاد العالمي، فإن المرحلة الراهنة تفرض نمطا مختلفا من الإصلاح، لا ينفصل عن إعادة بناء قدرة الدولة على حماية سيادتها من الداخل، وبالتالي فإن مستقبل الإصلاحات الهيكلية لن يقاس فقط بقدرتها على تحسين المؤشرات الاقتصادية، وإنما بقدرتها على إنتاج دولة أكثر تماسكا، وأكثر تكاملا، وأكثر استعدادا للتعامل مع بيئة دولية تتزايد تعقيدا يوما بعد يوم، وهو ما يجعل “NAPS” ليس مجرد مفهوم نظري جديد، وإنما أحد المسارات المحتملة لفهم التحولات التي تشهدها وظيفة الدولة في القرن الحادي والعشرين.
الأوكتاجون.
البنية التشغيلية للدولة في إطار" NAPS”من" GATT" إلى" GAPS".
تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة" GAPS".
كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.
السيادة فى سوق الـ" GAPS"الـ GAPS وبنية النظام العالمى.
أحادية قطبية وتعددية شبكية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك