يعقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) اجتماعه السنوي في العاصمة التركية أنقرة، الثلاثاء، في أجواء مشحونة، بفعل الضغوطات الأميركية على الأعضاء لرفع مخصصاتهم الدفاعية.
وقبل ساعات من انطلاق القمة، شكر الأمين العام للحلف مارك روته الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وشدد على ضرورة أن يقدم الأعضاء" خططاً واضحة وملموسة وقابلة للتصديق" للوفاء بالالتزامات الدفاعية، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتظر من الجميع التحرك السريع نحو بلوغ نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لم تصل إليها أي دولة من الحلف حتى الآن.
وعلى هامش القمة، يُتوقع أن تعلن دول الناتو عن صفقات أسلحة بقيمة عشرات المليارات من اليورو، في مسعى لاسترضاء واشنطن وإثبات الجدية في زيادة الإنفاق العسكري، خاصة أن أمريكا تواصل تسجيل أعلى ميزانية دفاع في العالم، متجاوزة 999 مليار دولار.
أوكرانيا بين التعهدات والطريق المسدودوستحظى أوكرانيا، خلال القمة التي تمتد يومين، بتعهدات مساعدات تبلغ قيمتها نحو 70 مليار يورو، لكن الرقم الذي يبدو ضخماً يخفي حقيقة أن معظمه يعود إلى وعود سابقة، في وقت لا تزال كييف بعيدة عن الحصول على مسار انضمام واضح إلى الحلف، ما يضع المساعدات في إطار رمزي أكثر منه عملي.
وفي لقائه الأخير مع ترامب بالبيت الأبيض، استخدم روته لوحتين بيانيتين لتوضيح حجم الزيادة في الإنفاق الأوروبي والكندي منذ العام 2017، واصفاً إجمالي المبالغ الإضافية بـ" تريليون ترامب"، في محاولة لإظهار أن" ضغوط الرئيس الأميركي أثمرت فعلاً، وأن الأوروبيين استجابوا تدريجياً لمطالبه".
غير أن التوتر لا يزال يخيم على العلاقات، إذ يواصل الزعيم الجمهوري مهاجمة حلفائه عبر منصة" تروث سوشيال"، حيث نشر الجمعة الماضية رسمًا بيانياً يقارن بين الميزانية الدفاعية الأميركية ونظيراتها الأوروبية، واصفاً الوضع بأنه" أحادي" و" غير متبادل"، ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن لمواصلة تحمل أعباء الدفاع عن أوروبا.
وكان الحلف قد شهد ستة أشهر من الاضطراب، بدأت بتهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند الدانماركية، ثم تصاعدت مع إقصاء القادة الأوروبيين من التخطيط للضربات على إيران، وانتقاده لاحقاً لرفضهم تسهيل استخدام أراضيهم في العمليات العسكرية.
وتشمل قائمة الخلافات أيضاً مواقف متباينة مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وسجالاً غريباً مع نظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني التي اتهمها بـ" الهوس به"، إضافة إلى توتر مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بعد طرح ترامب مجدداً فكرة ضم كندا إلى الولايات المتحدة.
أما على الصعيد العسكري، فتخطط أمريكا لتقليص عدد قواتها ومعداتها في أوروبا، بما يشمل خفض عدد المقاتلات بنحو الثلث، في حال اندلاع مواجهة مع روسيا.
وقد ألمح وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى أن عمليات السحب ستطال الدول الأقل التزاماً بالإنفاق الدفاعي.
تفاصيل غير عسكرية تحمل رسائلومن بين التفاصيل اللافتة في القمة، أن ترامب سيحضر إلى أنقرة على رأس وفد يضم نحو 1400 شخص، في خطوة تُقرأ عادةً كمؤشر على جدية الرئيس الأميركي وحرصه على المشاركة.
غير أن الحلف، ورغم ذلك، أعدّ سيناريوهات متعددة للتعامل مع أي تقلبات محتملة من جانبه، تجنباً لتكرار سيناريو قمة 2018، حين هدد فيها بشكل مفاجئ بالانسحاب من الناتو.
وعلى هامش القمة، ينتظر أن يجمع ترامب عشاءً مع نظيره التركي، إضافة إلى لقاءات ثنائية مرتقبة مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ويرى مراقبون أن مقياس نجاح قمة أنقرة لن يتحدد بحجم التعهدات أو التصريحات الدبلوماسية، بل بمدى قدرة الحلف على احتواء التوترات وتجنب أي انفجار علني، خاصة في ظل خلافات جوهرية تبدو أعمق من أن تُحلّ بعبارات بروتوكولية جامدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك