في مكة المكرمة التي نشأتُ فيها، لم تكن الأوقاف لافتةً على جدار، بل كانت جدارًا يسند ذاكرة المكان.
كنا نمضي في الحارات القديمة، فنقرأ أسماء الواقفين كما نقرأ أسماء الغائبين الحاضرين؛ رحلوا بأجسادهم، وتركوا خيرهم يمشي بين الناس.
كبرت وأنا أظن أن الوقف دارٌ تُؤجر، أو متجرٌ تُصرف غلته، أو بابٌ من البر لا يغلق.
حتى كانت زيارتي إلى هيئة الأوقاف في الرياض، فإذا بالمعنى يتسع، وإذا بالخير الذي عرفته في مكة يلبس ثوب الحوكمة والنظام والاستدامة.
هناك أدركت أن الوقف اليوم لم يعد نيةً طيبة وحدها، بل منظومة تُدار بعلم، وتحرسها اللوائح، وتنميها الاستثمارات، وتصونها الشفافية.
فالواقف لا يترك مالًا فقط، بل يترك أمانةً تحتاج من يحميها، ويطيل عمرها، ويوسع أثرها.
شعرت أن مكة منحتني الجذر، وأن الرياض أرتني الشجرة حين اشتد عودها.
وبين الجذر والشجرة وطنٌ يعرف كيف يحفظ المعروف، ويحوّل العطاء من ذكرى جميلة إلى أثرٍ مستدام.
خرجت من الزيارة وأنا أكثر يقينًا أن الأوقاف ليست ماضيًا نفاخر به فقط، بل مستقبلًا نبنيه بثقة؛ فحين يجتمع إخلاص الواقف مع حوكمة رشيدة، يصبح الخير أطول عمرًا من أصحابه، وأوسع ظلًا من أحلامهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك