يمثل السابع من يوليو 1994 محطة فاصلة في الذاكرة السياسية الجنوبية، لا باعتباره تاريخاً عسكرياً لسقوط عدن فحسب، بل بوصفه اللحظة التي سقط فيها مشروع الوحدة اليمنية كعقد شراكة طوعية، وتحول في وعي قطاعات واسعة من الجنوبيين إلى واقع مفروض بالقوة.
فبعد أربع سنوات فقط من إعلان الوحدة في 22 مايو 1990، انفجرت الخلافات السياسية والعسكرية بين شريكي الوحدة، وانتهت بحرب صيف 1994 التي اندلعت في مايو، قبل أن تدخل قوات صنعاء عدن في 7 يوليو، معلنة نهاية الحرب عسكرياً، وبداية مرحلة جديدة من الإقصاء والهيمنة على الجنوب.
الجنوبيون ينظرون إلى 7 يوليو باعتباره “اليوم الأسود” الذي حوّل الجنوب من شريك في دولة الوحدة إلى أرض خاضعة لمنطق الغلبة، بعد أن تعرضت مؤسساته العسكرية والمدنية للتدمير، وتم التعامل مع كوادره وثرواته باعتبارها غنيمة حرب.
لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جاءت بعد مسار طويل من التوترات السياسية والاغتيالات والتحريض والتعبئة ضد الجنوب.
وتشير تقارير جنوبية إلى أن إعلان الحرب في 27 أبريل 1994 كان بداية عملية إسقاط الشراكة بالقوة، قبل أن يتحول السابع من يوليو إلى رمز لسقوط الوحدة بصيغتها التوافقية.
ومع دخول القوات الشمالية عدن، بدأت مرحلة جديدة في الجنوب اتسمت، وفق السردية الجنوبية، بالتسريح القسري لعشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين، ونهب الأراضي والمؤسسات، وإقصاء الكوادر الجنوبية من مواقع القرار، وطمس مؤسسات الدولة الجنوبية التي كانت قائمة قبل عام 1990.
لكن دلالة 7 يوليو لم تتوقف عند الهزيمة العسكرية.
فقد تحولت الذكرى، بمرور السنوات، إلى عنوان للوعي الجنوبي المتجدد.
فمن رحم الإقصاء والقمع والخذلان، بدأت تتشكل مقاومات سياسية وشعبية، وصولاً إلى انطلاق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، الذي أعاد القضية الجنوبية إلى الواجهة باعتبارها قضية شعب وهوية وحق سياسي، لا مجرد خلاف بين نخب السلطة.
لقد حاولت قوى الاجتياح أن تجعل من 7 يوليو نهاية للجنوب، فإذا به يتحول إلى بداية جديدة.
فالشعب الذي خسر دولته بالقوة لم يفقد ذاكرته ولا هويته، بل أعاد تنظيم نفسه سياسياً وشعبياً، وخرج في مسيرات ومليونيات، وقدم الشهداء والجرحى والأسرى، حتى باتت القضية الجنوبية رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة.
وفي حرب 2015، حين حاول الحوثيون وقوات حليفة لهم التقدم نحو عدن ومحافظات الجنوب، برزت المقاومة الجنوبية كقوة ميدانية حاسمة، واستطاع الجنوبيون استعادة حضورهم العسكري والأمني، بعدما تحولت ذاكرة 1994 إلى دافع للمواجهة وعدم السماح بتكرار الاجتياح.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يستحضر الجنوبيون ذكرى 7 يوليو للبكاء على الماضي فقط، بل لاستعادة الدروس: أن الوحدة التي تُفرض بالدبابة لا تصنع وطناً، وأن الشراكة التي تنتهي بالإقصاء والنهب لا يمكن أن تستمر، وأن الشعوب قد تُهزم عسكرياً في لحظة، لكنها لا تموت ما دامت متمسكة بحقها وذاكرتها وهويتها.
وبذلك تبقى ذكرى 7 يوليو في الجنوب عنواناً لسقوط الوحدة بالقوة، لكنها في الوقت نفسه ذكرى صعود الوعي الجنوبي من جديد، وولادة مرحلة نضالية طويلة أعادت للقضية الجنوبية حضورها السياسي والشعبي، ورسخت قناعة واسعة بأن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُرسم خارج إرادة أبنائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك