في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتضاعف فيه مصادر المعرفة بصورة غير مسبوقة، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على فهمها، وتمييز ما يصنع الوعي منها وما يضيف مجرد ضجيج معرفي عابر.
وفي زمن تتزاحم فيه الإشعارات، وتتداخل فيه المنصات الرقمية، وتختصر فيه المسافات بين الحدث وتلقيه، برزت الحاجة إلى القراءة الواعية لدى الشباب باعتبارها أداة لإعادة التوازن الفكري، وبناء الوعي النقدي، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بالمعرفة.
وتكتسب هذه الإشكالية بُعدًا أعمق في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع المعاصر، حيث لم تعد المعرفة مجرد تراكم معلومات، بل أصبحت أداة لصناعة الإنسان نفسه، وتشكيل وعيه، وبناء قدرته على الفهم والتحليل والتفاعل مع محيطه.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال المحوري، كيف يمكن للقراءة أن تعيد للإنسان اتزانه في زمن الاستهلاك السريع للمحتوى وخاصة على مستوى الشباب.
ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتراجع فيه مساحات التأمل أمام سيل المحتوى الرقمي، كان لمجموعة من الشباب رؤيتهم الخاصة في هذا السياق فيرى الكاتب والمهتم بالشأن الثقافي لبيد بن مبارك العامري أن القراءة الواعية لم تعد خيارًا ثقافيًّا، بل أصبحت ضرورة وجودية لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي للإنسان.
وقال العامري إن القراءة ليست مجرد استهلاك للنصوص، بل هي عملية" هندسة داخلية" تسهم في ترميم الوجدان وصياغة العقل من جديد، موضحًا أن الإنسان حين يقرأ لا يخزن الكلمات فقط، بل يبني مكتبة ذهنية تشكّل خارطة طريق لفهم ذاته والعالم.
وأشار إلى أن الإيقاع السريع للعصر الحديث، بما يحمله من إشعارات ومحتوى متسارع، يدفع الإنسان نحو السطحية الفكرية، ويقلل من قدرته على التأمل والنقد، مما يفرض الحاجة إلى القراءة العميقة بوصفها ممارسة مقاومة لهذا التشتت.
وأضاف أن القراءة المتأنية ليست انسحابًا من الواقع، بل انخراط أعمق فيه، لأنها تمنح الإنسان قدرة على رؤية الأحداث من مسافة تحليلية أوسع، ما يعزز الفهم بدل الانفعال، والوعي بدل الاستهلاك.
وأكد أن القراءة تمثل موقفًا مضادًا لثقافة الاستهلاك السريع، إذ إن القارئ حين يقرأ بعمق فإنه يفرض إيقاعه الفكري بدل أن يُفرض عليه.
وتابع أن العزلة التي تصاحب القراءة ليست فراغًا، بل مساحة خصبة للتأمل وإعادة بناء الذات، في مقابل حالة" الغربة الرقمية" التي قد يعيشها الإنسان وسط وفرة الاتصال وقلة المعنى.
وبيّن في حديثه أن تزايد الاضطرابات النفسية في العصر الحديث يرتبط جزئيًا بتسارع الإيقاع الرقمي، مشيرًا إلى أن القراءة الواعية يمكن أن تشكّل أحد أهم أدوات التوازن النفسي والفكري في هذا السياق.
وتنظر الفنانة التشكيلية سناء بنت سعيد الحميدي إلى القراءة باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الإنسان، وأداة استراتيجية لصناعة مجتمع المعرفة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية" عُمان 2040" التي تضع الإنسان في قلب التنمية وغايتها.
وقالت إن القراءة في ظل التوجهات الاستراتيجية الحديثة لم تعد مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، وإنما ممارسة حضارية تسهم في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، وبناء رأس المال الفكري والثقافي القادر على مواكبة التحولات المتسارعة في العالم المعاصر.
وأوضحت أن القراءة تمثل أداة فاعلة لتنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرات الإبداعية، وصناعة المعرفة التي تتجاوز حدود التلقي إلى الإنتاج والتأثير، مشيرة إلى أن نقل أثر القراءة من الإطار الفردي إلى الفضاء المجتمعي يمثل استثمارًا مباشرًا في الإنسان بوصفه محور التنمية.
وأكدت أن ترسيخ ثقافة القراءة لدى الشباب اليوم يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للمعرفة، وتمتد إلى المؤسسات التعليمية التي تعزز مهارات التفكير والتحليل والابتكار، وصولًا إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية التي يقع على عاتقها ترسيخ القراءة كقيمة مجتمعية مستدامة.
وأضافت أن تفعيل الأندية القرائية والمنتديات الفكرية والمبادرات الثقافية والمعارض يسهم في تحويل القراءة من نشاط فردي إلى حراك مجتمعي منتج، يفتح المجال أمام الحوار وتبادل الخبرات وتوليد الأفكار، مؤكدة أن المعرفة لا تزدهر في العزلة، بل تنمو بالتفاعل والمشاركة.
وبيّنت أن تجربتها كفنانة تشكيلية وباحثة في الثقافة والقيادة عززت قناعتها بأن القراءة هي المنبع الأول للإبداع، موضحة أن أي عمل فني أو مشروع ثقافي أو مبادرة مجتمعية ناجحة يسبقه تراكم معرفي يثري الخيال ويعمق الرؤية.
وقالت إن القراءة ليست استهلاكًا للمعرفة، بل إعادة إنتاج لها في صور أكثر ابتكارًا، مشيرة إلى أن القارئ الواعي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يعيد تشكيلها وتطويرها وتوظيفها في الواقع.
وأكدت على أهمية الانتقال من القراءة التقليدية إلى القراءة التفاعلية القائمة على التحليل والتأمل وربط المعرفة بالسياق الواقعي، موضحة أن تحويل الكتب إلى مشروعات فكرية أو إبداعية أو مجتمعية يمثل جوهر القيمة الحقيقية للقراءة.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن القراءة تمثل جسرًا بين الأصالة والمعاصرة، وتعزز من حضور القوة الناعمة العُمانية، وتسهم في إبراز المنجز الثقافي الوطني على المستويين الإقليمي والدولي، مشددة على أن القراءة ليست غاية، بل وسيلة لبناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل.
وإذا كانت الرؤية السابقة قد ركزت على القراءة في كونها استثمارًا في رأس المال الفكري وبناء مجتمع المعرفة، فإن هاجر بنت علي المسفري تنتقل بالحوار إلى البعد الأعمق للقراءة، المتمثل في قدرتها على تحويل المعرفة إلى سلوك، وصياغة منظومة قيم توجه الإنسان في حياته اليومية وقراراته وخاصة إذا ما أردنا الوقوف عند الشباب، وقالت إن العالم اليوم يعيش تدفقًا غير مسبوق في حجم المعلومات وسرعة الوصول إليها، إلا أن هذا التدفق لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الفهم أو تعمق المعرفة، مؤكدة أن الفارق الجوهري يكمن بين من يستهلك المعلومات، ومن يحولها إلى وعي حقيقي.
وأوضحت أن القراءة الواعية تمثل الوسيلة التي تميز بين المعلومات العابرة والمعرفة الراسخة، مشيرة إلى أن أثرها قد لا يظهر مباشرة، لكنه يتراكم تدريجيًّا ليعيد تشكيل سلوك الفرد ونظرته إلى ذاته والعالم من حوله.
وبيّنت أن المعلومات العابرة هي تلك التي تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة، مثل الأخبار والأرقام والحقائق اليومية، في حين أن المعرفة الراسخة هي تلك التي تتحول إلى قناعة ومبدأ، وتنعكس في السلوك والتفكير وطريقة التعامل مع الحياة.
وأكدت أن القراءة الواعية تقوم على التأمل لا الاستهلاك، وعلى طرح الأسئلة الجوهرية مثل: ماذا يريد الكاتب أن يقول؟ وهل أتفق معه؟ ولماذا؟ وكيف يرتبط ذلك بواقعي؟ مشيرة إلى أن هذا النوع من القراءة يتطلب تدوين الأفكار وربط المعاني وإعادة التفكير في النصوص.
وأضافت أن القارئ الواعي ليس متلقّيًا سلبيًّا، بل هو قارئ ناقد يبحث عن المعنى لا الكم، ويقرأ بهدف التغيير لا التسلية فقط، موضحة أن الفهم الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الانتقاء والتأمل والربط والتطبيق.
وأشارت إلى أن تحويل المعرفة إلى بوصلة داخلية هو جوهر القراءة الواعية، حيث تتشكّل لدى الإنسان منظومة من القيم والمبادئ تساعده على اتخاذ القرار الصحيح، وفهم ذاته، والتمييز بين المهم والهامشي.
وقالت إن هذه البوصلة تتكون عبر القراءة المتأملة والمراجعة الذاتية وتطبيق المعرفة في الواقع، مؤكدة أن أثرها يظهر في القرارات اليومية مثل اختيار العلاقات، وإدارة الوقت، وترتيب الأولويات، كما ينعكس في السلوك من خلال ضبط الانفعالات وحسن التعامل مع الخلافات.
وأضافت أن مجالات القراءة المختلفة تصنع سلوكًا مختلفًا؛ فمن يقرأ في إدارة الوقت يصبح أكثر وعيًا بقيمة الزمن، ومن يقرأ في الأخلاق ينعكس ذلك على عدالته وتعاملاته، ومن يقرأ في السير الذاتية يتعلم الصبر والمثابرة.
وأوضحت أن العائق الأكبر أمام تحول المعرفة إلى وعي حقيقي يتمثل في التشتت الرقمي، والقراءة السريعة دون تأمل، والاستهلاك دون تطبيق، مشددة على أن القراءة الحقيقية هي التي تتحول إلى أثر، لا إلى مجرد معلومات مخزنة.
فيما قال قيس بن يوسف السيابي إن القراءة بحد ذاتها تمثل عنصرًا فاعلًا في تشكيل وعي القارئ وتحديد مسارات تفكيره، إلى جانب عوامل أخرى تسهم في بناء شخصيته الفكرية والمعرفية، موضحًا أن مستوى الوعي السابق للقراءة قد يؤثر في نوعية الكتب المختارة، لكنه لا يغني عن أهمية المنهجية في القراءة.
وأوضح أن نوعية الكتب التي يختارها القارئ تسهم في رسم خارطة تفكيره، وتعمل بمثابة" مجال مغناطيسي" يوجه بوصلته الفكرية، خصوصًا إذا كانت القراءة قائمة على خطة واضحة لا على العشوائية.
وأوضح أن القراءة العشوائية، على الرغم من إسهامها في توسيع آفاق الاطلاع وتنويع المعارف، غالبًا ما تمنح القارئ معرفة عامة غير متعمقة، في حين تسهم القراءة المنهجية في بناء معرفة راسخة وتعزيز القدرة على الفهم والتحليل واستيعاب الموضوعات بصورة أعمق.
وبيّن أن القارئ الذي يقرأ وفق خطة قرائية مدروسة، ويجعل من كل كتاب خطوة ضمن مشروع معرفي متكامل، يكون أكثر قدرة على التخصص والفهم العميق للمجالات التي يقرأ فيها.
وأكد أن تحديد القارئ لأهداف قراءته، سواء باعتبارها جزءًا من خطة معرفية أو بهدف تعميق الرصيد الفكري، ينعكس بشكل مباشر على جودة استيعابه، وعلى قدرته في النقاش والتحليل وإبداء الرأي.
وأشار إلى أن القراءة المنهجية تمنح القارئ رصيدًا لغويًّا واصطلاحيًّا أوسع، وتعزز من موضوعيته ورصانته في تناول القضايا المختلفة، مقارنة بالقراءة غير المنظمة.
وأكد على أن القارئ الذي يحدد مسار قراءته بوعي، يصبح أكثر استقلالية في التفكير، وأكثر قدرة على بناء قناعاته على أساس الفهم والتحليل، لا على الانطباعات السريعة أو التأثيرات العابرة.
ويجمع المشاركون على أن مستقبل المجتمعات لا يقاس بكمية المعلومات المتاحة، بل بقدرة الإنسان على تحويل هذه المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى سلوك، والسلوك إلى أثر، بما يعزز بناء مجتمع المعرفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك