الناصرة- “القدس العربي”: يرى تقرير إسرائيلي جديد تولى ترجمته وتحريره المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن إسرائيل تقف اليوم أمام مشهد سياسي- أمني شديد التعقيد، تتمثل أبرز ركائزه في استمرار الحرب على قطاع غزة، وإن كانت بشكل أقل مما كانت عليه إبان حرب الإبادة، من دون أفق سياسي.
وبالمثل، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة عسكرية مفتوحة مع حزب الله في لبنان، وحرب إسرائيلية- أمريكية على إيران لم تتضح نتائجها السياسية بعد، واستنزاف عسكري ومجتمعي يضغط على الجيش والداخل معا.
ويشير التقرير الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى الصراع الذي بدأ ينظم نفسه من جديد حول قضايا مثل تشكيل لجنة تحقيق وقانون التجنيد مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية.
في مقابل ذلك كله، ما يزال الخطاب الرسمي الإسرائيلي يواصل التركيز على “إنجازات عسكرية” و”نصر متراكم”.
يطرح تقرير “المعهد” تشخيصا مركبا للمأزق الإسرائيلي بعد أكثر من عامين على هجوم 7 أكتوبر.
وينطلق التقرير من مفارقة أساسية مفادها أن إسرائيل أقوى عسكريا مما كانت عليه في عام 2023، وقد راكمت “إنجازات عسكرية” مهمة، وأظهرت قدرة على “الصمود” الاقتصادي والمجتمعي، كما حظيت بمستوى غير مسبوق من التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، تجد نفسها في إحدى أدنى لحظاتها الإستراتيجية، وهذه اللحظة يسميها “المعهد” حالة “الليمبو الإستراتيجي”، أي الجمود الذي يمنع تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية وأمنية مستقرة.
وطبقا لـ”مدار”، تنبع أهمية الورقة من كونها تستعرض وتحلل “المأزق العملياتي” في غزة ولبنان والضفة الغربية والمنطقة، وتحاول تقديم تصور شامل لكيفية خروج إسرائيل من وضعية الاستنزاف متعدد الجبهات.
الفكرة الناظمة فيها أن إسرائيل تدير أزماتها بمنطق تكتيكي قصير المدى، فيما يدير خصومها، وعلى رأسهم إيران، معركة طويلة الأمد ومتعددة الساحات، ومن هنا تأتي استعارة التقرير المركزية: “إسرائيل تلعب “داما”، فيما يلعب خصومها الشطرنج”.
وهذه الاستعارة تنظم كامل الورقة، فالتقرير يدعو إلى الانتقال من “إدارة موضعية” للجبهات إلى “بناء مسار إقليمي” متزامن يشمل الساحة الفلسطينية، والسعودية، ولبنان، وسوريا، وتركيا، والولايات المتحدة في الوقت نفسه.
أزمة القوة التي لا تفضي إلى نتيجةيفتتح التقرير بتوصيف للحالة بالقول: “إن إسرائيل قوية عسكريا، لكنها تعاني ضعفا إستراتيجيا”، وتنضوي تحت ذلك جبهات القتال المفتوحة والمرهقة.
ففي قطاع غزة تدور حرب استنزاف، وفي الشمال تستمر المواجهة مع حزب الله، بينما عشرات آلاف الإسرائيليين خارج بيوتهم، وفي الضفة الغربية يحتاج الجيش إلى تخصيص موارد دائمة لمنع الانفجار القادم.
وبالتوازي، يشير التقرير إلى تآكل مكانة إسرائيل الدولية، وتصاعد العزلة في المؤسسات الدولية، وظهور تهديدات بالمقاطعة وفقدان الشرعية في الغرب.
ويضيف إلى ذلك توتر العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة حول “اليوم التالي” في غزة، وانعدام الثقة المتبادلة في إدارة المسار السياسي.
هذا التشخيص يضع المشكلة في الفجوة بين الأداء العسكري والنتيجة السياسية، فالقوة، كما يقدمها التقرير لم تعد كافية بذاتها، إذ إن نجاح الجيش في “إضعاف خصومه” أو تحقيق “إنجازات ميدانية” لا يتحول تلقائيا إلى “أمن مستقر”.
لذلك يطالب التقرير بتحويل “الإنجازات العسكرية” إلى “انقلاب إستراتيجي” واسع، يبدأ من فهم أهداف الخصم.
المسألة الفلسطينية مدخل إلى التطبيع مع السعوديةيتعلق القسم الأهم في الورقة بالساحة الفلسطينية، حيث يقترح التقرير أن تتخلى إسرائيل عن الاكتفاء بالموقف الدفاعي الرافض للمبادرات السياسية، وأن تعرض بدلا من ذلك “خريطة طريق وظيفية”.
وهذه العبارة، برأيه، هي قلب التقرير (ورقة العمل)، إذ إن المقصود بها نقل النقاش من “حل الدولتين” كنموذج سياسي نهائي إلى مسار مشروط بالأداء الأمني والإداري، وذلك انطلاقا من أن مصطلح “حل الدولتين” فقد ثقة قطاعات واسعة من الإسرائيليين، خصوصا بعد 7 أكتوبر، وأن طرحه في صورته التقليدية سيتم فهمه داخل إسرائيل كجائزة لما يسميه “الإرهاب”.
لذلك يدعو إلى صيغة أخرى: إدارة ذاتية فلسطينية، وإمكان عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، ولكن وفق شروط أمنية صارمة وجدول تقدم مبني على الأداء الأمني والإداري.
السعودية بوصفها الرافعة المركزيةيتعامل التقرير في الورقة مع السعودية باعتبارها مفتاح “الانقلاب الإستراتيجي” المطلوب، حيث يرى أن لدى الولايات المتحدة مصلحة كبيرة في إنجاز “صفقة دفاعية” كبرى مع الرياض، وأن على إسرائيل استثمار هذه الحاجة الأمريكية بدلا من التعامل معها كضغط عليها.
كما يقترح أن تعرض إسرائيل صيغة سياسية تمنح السعودية إعلانا واضحا عن دعم مبدئي لأفق سياسي فلسطيني، على أن يكون هذا الأفق مشروطا بنزع السلاح والمعايير الأمنية الصارمة التي أشار إليها سابقا.
وبهذه الطريقة فقط، ستنتقل الضغوط من إسرائيل إلى رام الله، وإذا أرادت واشنطن والرياض المسار المقترح، فعليهما الضغط على السلطة الفلسطينية كي تلتزم بشروط الحكم والأمن.
وفي هذا السياق، يقرأ التقرير موقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من زاويتين: من جهة، يحتاج ولي العهد السعودي إلى تقدم ما في القضية الفلسطينية كي يبرر “التطبيع” أمام المجالين العربي والإسلامي، ومن جهة أخرى، يفترض أن السعودية تخشى قيام دولة فلسطينية راديكالية مرتبطة بالإخوان المسلمين أو إيران.
لذلك، يرى أن هناك “مساحة مشتركة بين إسرائيل والسعودية” حول رفض “نموذج سيادي فلسطيني غير مضبوط أمنيا”.
وبناء على ذلك، يدعو إلى قناة وظيفية، ويفضل أن تكون سرية، بين إسرائيل والرياض، تدار بالتوازي مع الحوار مع واشنطن.
لبنان وسوريا كامتداد للمعادلةلا يقف التقرير في طرحه عند الساحتين الفلسطينية والسعودية، حيث يقترح فتح مسارات متزامنة في سوريا ولبنان أيضا.
في سوريا، يدعو إلى تسريع “التفاوض الأمني” مع النظام الجديد، مستندا إلى خمسة اعتبارات: الاندماج في رؤية الرئيس ترامب لتوسيع “اتفاقيات أبراهام”، وإعادة سوريا إلى “المحور العربي المعتدل” كما يطلق عليه، وإضعاف النفوذ التركي، وتقليص الوجود الإيراني، وتخفيف العبء العسكري عن الجيش الإسرائيلي في الجولان والشمال، وتحسين صورة إسرائيل الدولية عبر تقديمها كدولة تسعى إلى الاتفاقات والاستقرار.
ووفقا للتصور الذي يطرحه التقرير، فإن سوريا تتحول إلى ساحة لإدارة توازنات إقليمية معقدة، فهو يريد استخدام المسار السوري لإبعاد النظام الجديد كليا عن المحور الإيراني في المستقبل، أو على الأقل لتقليص حرية عمل الحرس الثوري وحزب الله على الأرض السورية.
كما يرى أن دعما خليجيا لهذا المسار يمكن أن يحد من النفوذ التركي المتنامي في سوريا، والهدف الأمني المباشر هو إنشاء حزام يقطع خطوط الإمداد الإيرانية إلى بيروت، ويمنح إسرائيل قدرة على تخفيف انتشارها العسكري في الجبهة الشمالية.
أما في لبنان، فيدعو التقرير إلى الجمع بين المسار العسكري والمسار السياسي- الاقتصادي، إذ يرى أن الطريق إلى إضعاف حزب الله لا يمر فقط عبر ضربات جوية أو عملية عسكرية برية، وإنما بتسريع التفاوض مع الحكومة اللبنانية، بدعم أمريكي وسعودي وإماراتي وفرنسي.
كما يشير إلى اتفاق الإطار الموقع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026 كبداية مهمة، لكنه يراه غير كاف من دون دعم واسع من الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، ورقابة أمريكية فعالة على تنفيذ الترتيبات في المناطق التي ستنقل إلى مسؤولية الجيش اللبناني.
ومن ناحية ثانية، يقترح أن على إسرائيل الذهاب في اتجاه تسوية “نقاط الخلاف” على الحدود البرية، بما فيها مزارع شبعا والغجر، وصياغة قرار دولي محسن على غرار القرار 1701.
يضع “المعهد” في الورقة تركيا في موقع “المعطل” المحتمل للمسار الذي يقترحه، ويؤكد أن أنقرة في عهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوة ترى في نفسها قائدة للعالم السني وحامية للإخوان المسلمين وحماس.
لذلك يتوقع أن ترى تركيا في التطبيع الإسرائيلي- السعودي الواسع تهديدا لطموحاتها الإقليمية.
ولمواجهة هذا الدور، يقترح سلسلة خطوات متزامنة، مثل استخدام المسار السوري لإضعاف “الذرائع التركية” للبقاء في شمال سوريا، و”تجنيد” مصر والسعودية لكبح جماح تركيا، وإحباط ومنع أي دور تركي مؤثر في الساحة الفلسطينية وغزة، وتوسيع التعاون مع اليونان وقبرص ضمن ما يسميه “التحالف الهيليني”، وتشجيع الولايات المتحدة على توجيه رسائل اقتصادية وسياسية قاسية لأنقرة إذا حاولت تعطيل “البنية الإقليمية الجديدة”.
العائق الداخلي في إسرائيلفي نهاية الورقة، وبعد تفصيل الخريطة الإقليمية، يحدد “المعهد” العقبة الأصعب للتصور أو المشروع الذي يطرحه، والمتمثلة في نموذج السياسة الداخلية الإسرائيلية، حيث يرى أن التحدي الأكبر ليس في العواصم العربية، بل في إسرائيل نفسها.
موضحا أن الائتلاف الحكومي الحالي، القائم على كتل اليمين المتطرف، يخلق شللا مفاهيميا يجعل كل حديث عن “أفق سياسي” أو “إصلاح السلطة الفلسطينية” يظهر كتنازل غير مقبول من إسرائيل.
وبناء على ذلك، يطرح التقرير ما يصفها بأنها “توصيات عملية” للخروج من حالة “الشلل المفاهيمي”، منها تشكيل “فريق وزاري- أمني” بقيادة رئيس الحكومة لوضع وثيقة “شروط العتبة الوظيفية” للولايات المتحدة، وفتح قناة سرية مع الرياض ورام الله لتعريف نموذج “السلطة الفلسطينية المتجددة”، وتسريع إقامة “قناة اتصال أمنية” مع دمشق بدعم أمريكي، وبناء ائتلاف إقليمي لاحتواء تركيا، وطرح خطة “المال في مقابل السيادة الفعالة” في لبنان بالتنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج.
وهذه التوصيات تكثف مضمون الورقة الذي يؤكد أنه لا يكفي استمرار الضغط العسكري، بل يجب تحويله إلى هندسة سياسية واقتصادية وأمنية في كل الجبهات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك