بعد نحو نصف ساعة من الانفجارين اللذين وقعا صباح الثلاثاء قرب وزارة السياحة في دمشق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن المشهد في الأحياء المحيطة يوحي بحالة ذعر بقدر ما عكس مدينة تحاول استيعاب حدث أمني جديد، بينما يواصل سكانها تفاصيل يومهم المعتادة، ويتبادلون التحليلات حول الجهة التي تقف وراء ما جرى.
وخلال جولة ميدانية أجراها موقع تلفزيون سوريا في المناطق الواقعة على المسار المفترض لموكب الرئيس الفرنسي، الممتد من فندق" فورسيزنز" باتجاه قصر الشعب، بدت آثار الإجراءات الأمنية واضحة، إلا أن الحياة اليومية لم تتوقف، بل استمرت مع كثير من النقاشات والأسئلة أكثر من مظاهر الخوف.
طرق مغلقة.
وسببها" التوتر الأمني"وقعت الانفجارات قرابة الساعة العاشرة صباحاً، بعد مغادرة الرئيس الفرنسي فندق" فورسيزنز" متوجهاً إلى قصر الشعب، فيما أكد قصر الإليزيه لاحقاً أن ماكرون لم يسمع أي دوي انفجارات في أثناء توجهه للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، وأن برنامج الزيارة استمر كما هو مقرر.
في بداية الجولة، صادفنا أحد عناصر الشرطة عند أحد الطرق المؤدية إلى منطقة المزة، والذي أوضح أن إغلاق عدد من الشوارع جاء نتيجة" التوتر الأمني الذي أعقب التفجير"، في وقت كانت فيه قوات الأمن تنظم حركة السير وتمنع المرور في بعض المحاور الرئيسية.
وشملت الإغلاقات أجزاء من أوتستراد المزة وعدداً من الطرق الفرعية والمخارج المؤدية إلى المنطقة، ما تسبب بتعطل حركة عدد من السائقين لفترة محدودة.
" الدور أهم".
طوابير الوقود لم تتغيرورغم أن موقع الانفجار لم يكن بعيداً، بقيت طوابير السيارات أمام محطات الوقود على حالها؛ عشرات السيارات كانت لا تزال تنتظر دورها، وكأن الحدث الأمني لم يغيّر أولويات أصحابها.
أحد السائقين، الذي كان يقف في مقدمة الطابور، قال: " أنا واقف من لحظة الانفجار.
وما عاد محرزة أترك دوري على حالي"أما سائق آخر فاعتبر أن الازدحام على المحطة كان أخف من اليوم السابق، مضيفاً: " اليوم الزحمة أخف من مبارح.
فما في داعي أترك الدور".
إفطار" اضطراري" على الأرصفةوعلى مقربة من الطرق المغلقة، تجمع عدد من سائقي الميكروباصات والمواطنين أمام أحد باعة الفلافل ولم يكن التجمع مرتبطاً بالانفجار نفسه بقدر ما كان نتيجة توقف الحركة المرورية بعد إغلاق الطرق المؤدية من الفندق إلى قصر الشعب.
استغل السائقون الوقت لتناول الإفطار وانتظار إعادة فتح الطرق، بينما دار حديث جانبي بين بعض المنتظرين عن الانفجارين وأبعادهما وإن كان حديثا سطحيا.
أحد سائقي الميكروباصات قال إن ما جرى يبدو وكأنه" محاولة للتشويش على وصول الرئيس الفرنسي وإثارة الهلع"، لكنه استدرك قائلاً: " إذا كانت هاي الرسالة.
فهي ما عادت تخوف السوريين.
الناس تعبت واعتادت على هيك أحداث".
محال مغلقة.
لكن ليس خوفاًورصدت الجولة بقاء عدد من المحال التجارية مغلقة.
لكن، وبحسب أصحاب محال مجاورة، فإن السبب لم يكن الخوف من الانفجار، بل تعذر وصول أصحاب تلك المحال بعد إغلاق الطرق.
وأوضح أحدهم أن عدداً من التجار يسكنون في مناطق تأثرت بإجراءات قطع السير، وأن بعضهم بدأ يبحث عن وسائل نقل بديلة للوصول إلى أماكن عمله.
ولم تستمر الإغلاقات طويلاً، إذ أعيد فتح معظم الطرق بعد نحو ساعتين، بالتزامن مع وصول وزير الداخلية أنس خطاب إلى موقع الانفجار وبدء تخفيف الإجراءات الأمنية.
داخل المراكز التجارية.
الحياة كما هيوعلى خلاف ما قد يتوقع بعد حادث أمني بهذا الحجم، لم تسجل المراكز التجارية الرئيسية في دمشق أي تراجع ملحوظ في الحركة.
ففي كل من شام سنتر ودامسكينو مول، استمرت الحركة بشكل طبيعي (وهي حركة خفيفة في مثل هذا الوقت من اليوم)، فيما بقيت المطاعم والمقاهي تستقبل زبائنها الذين كانوا يتناولون وجبات الإفطار بصورة اعتيادية.
مشهد رواد الكافتريات المرتبطة بالمولين أوحى بأن المدينة تواصل يومها، رغم أن النقاش حول التفجير كان حاضراً في معظم الطاولات، وفقا لرأي أحد رواد هذه المقاهي لموقع تلفزيون سوريا.
الفيديوهات تتصدر الأحاديثفي أحد الشوارع التجارية بمنطقة كفرسوسة، تجمع عدد من أصحاب المحال أمام هواتفهم المحمولة لمشاهدة المقاطع المصورة التي انتشرت بسرعة من موقع الانفجار.
كانت اللقطات تعاد أكثر من مرة في محاولة من المتجمهرين لمعرفة ما الذي انفجر بالضبط؟ سلة المهملات في الشارع أم دراجة نارية؟ بعضهم كان يجزم بفرضية معينة، وآخرون يرفضونها تماماً، فيما بدا واضحاً أن أحداً لا يمتلك معلومات مؤكدة، وأن معظم النقاشات استندت إلى تقديرات شخصية أكثر منها إلى معطيات ثابتة.
من المسؤول؟
آراء متعددة وتحذير من التسرعالسؤال الأكثر تداولاً بين من التقيناهم لم يكن حول حجم الانفجار، بل حول الجهة التي يمكن أن تكون وراءه.
عدد كبير ممن تحدثوا للموقع رجحوا أن تكون فلول النظام المخلوع أو مجموعات مرتبطة به هي المستفيد الأكبر من تنفيذ عملية من هذا النوع، معتبرين أن أي اهتزاز أمني في العاصمة يصب في مصلحة الجهات التي تسعى لإرباك المرحلة الانتقالية.
أحد أصحاب المحال التجارية في كفرسوسة رأى أن" التهاون مع عناصر النظام المخلوع" قد يكون أحد الأسباب التي سمحت بوقوع مثل هذا الحدث، مطالباً بالإسراع في ملاحقة المطلوبين والمتورطين بجرائم وانتهاكات سابقة.
في المقابل، طرح آخرون احتمال وقوف إسرائيل وراء العملية، معتبرين أن توقيت التفجير بالتزامن مع أول زيارة لرئيس دولة أوروبية يفتح الباب أمام أكثر من فرضية.
ورغم اختلاف التفسيرات، فإن القاسم المشترك بين معظم من التقاهم الموقع كان الدعوة إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية وعدم الجزم بمسؤولية أي طرف قبل ظهور الأدلة.
" تشويش أكثر من كونه تغييراً"وعلى امتداد الجولة، بدا أن المزاج العام لا يتعامل مع التفجيرين باعتبارهما حدثاً سيغير إيقاع المدينة، بقدر ما ينظر إليهما كمحاولة للتشويش على حدث سياسي بارز يتمثل في زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق.
هذا الانطباع الشعبي يتقاطع مع تقديرات عدد من الباحثين الأمنيين على شاشة تلفزيون سوريا، الذين يرون أن توقيت العملية يحمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حجم الخسائر البشرية، وتسعى إلى إظهار القدرة على تنفيذ هجمات في قلب العاصمة خلال مناسبة دولية رفيعة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن هوية المنفذين ما تزال مجهولة وأن التحقيقات الرسمية مستمرة.
وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت إصابة 18 شخصاً، بينهم أربعة من عناصر الشرطة، إثر انفجار عبوتين ناسفتين قرب وزارة السياحة، موضحة أن إحدى العبوتين كانت داخل سيارة مركونة، فيما وضعت الثانية داخل حاوية مهملات، وأن الانفجار وقع أثناء استعداد الوحدات المختصة لتفكيكهما.
كما أكدت الوزارة أن موقع الانفجار يقع خارج النطاق الأمني المخصص لمقر إقامة الرئيس الفرنسي، ولم يشكل أي تهديد مباشر لبرنامج الزيارة، وهو ما أكده أيضاً قصر الإليزيه الذي أعلن استمرار زيارة ماكرون وفق جدولها المقرر.
وفي رسالة نشرها بعد نحو 3 ساعات من التفجيرين، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن" لا شيء سيتمكن من خنق تطلع السوريات والسوريين إلى العيش في سوريا كاملة السيادة، آمنة، تعددية وموحدة"، مؤكداً أن زيارته إلى دمشق استمرت رغم ما جرى.
وبينما تواصل الأجهزة الأمنية تحقيقاتها لكشف الجهة المسؤولة عن التفجيرين، كان المشهد في شوارع دمشق بعد أقل من ساعة على الحادث يختصر صورة مختلفة: طوابير وقود لم تتفرق، مطاعم تواصل استقبال زبائنها، محال تنتظر أصحابها العالقين خلف الإغلاقات، ومواطنون يتابعون الأخبار، يحللون، يختلفون في تفسير ما جرى، لكنهم، في المجمل، يواصلون حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك