قررت محكمة الجنح في باريس، اليوم الثلاثاء، تأجيل النظر في قضية النائبة الأوروبية ريما حسن إلى 19 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، على أن تستكمل الجلسة في اليوم التالي، بعد نقاش طويل بشأن شروط المحاكمة وحق الدفاع في الاطلاع على ملف بات يضم مئات الصفحات.
ومنحت المحكمة دفاع حسن وقتاً إضافياً لدراسة الوثائق التي أرسلت إلى الادعاء حتى الساعات الأخيرة التي سبقت الجلسة.
وامتلأت قاعة المحكمة، الكبيرة أساساً، بالصحافيين والحاضرين، فيما حضر أكثر من عشرة من محامي الجمعيات التي قالت إنها" ضحية" و" متضررة" من منشور حسن، وأغلبها منظمات يهودية وجمعيات مناهضة لـ" معاداة السامية"، مثل" الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية ـ ليكرا"، و" المنظمة اليهودية الأوروبية"، و" المرصد اليهودي الفرنسي"، و" اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا".
وافتتح القاضي الجلسة بعرض لأساس الملاحقة المرتبطة بتهمة" تمجيد فعل إرهابي" عبر الإنترنت، على خلفية منشور شاركته حسن في مارس/ آذار الماضي على منصة" إكس"، وتضمّن اقتباساً منسوباً إلى كوزو أوكاموتو، العضو السابق في الجيش الأحمر الياباني وأحد منفذي الهجوم على مطار اللد عام 1972.
غير أن المحكمة لم تدخل في مضمون المنشور نفسه.
فقد بدأ النقاش بطلب تقدّم به محامي حسن، فانسان برينغارت، لتأجيل الجلسة.
وقال برينغارت إن شروط الدفاع لم تكن متوافرة كما يجب، لأن موكلته وفريقها تلقوا خلاصات ووثائق جديدة من المدعين في وقت متأخر جداً، بعضها مساء الاثنين، عشية الجلسة، وبعضها صباح اليوم الثلاثاء، قبل الجلسة بساعات.
وأوضح أن إحدى المنظمات أرسلت وحدها ملفاً مؤلفاً من 132 صفحة، إلى جانب وثائق ومواد صوتية، من دون أن يكون الدفاع قادراً على قراءتها ومناقشتها مع حسن قبل المثول أمام المحكمة.
واعتبر برينغارت أن" ما جرى خلق اختلالاً واضحاً في موازين القوى أمام القضاء، إذ تواجه حسن النيابة العامة، ومعها ثماني جمعيات وفرقها من المحامين، في حين يتشكل فريقها من محامٍ واحد".
وقال إن عدد جهات الادعاء تضاعف في الأيام الأخيرة، وإن خلاصاتهم ووثائقهم وصلت تباعاً حتى اللحظة الأخيرة.
وأضاف أن القضية لا يمكن التعامل معها كملف عادي، لأنها تطاول نائبة أوروبية، ولها عواقب سياسية وقانونية ثقيلة، مشيراً إلى أن حضور ممثلين اثنين عن النيابة في الجلسة يؤكد طابعها الاستثنائي الذي لم يسبق له أن رآه إلا في المسائل القضائية الكبرى.
في المقابل، عارض جل محامي الجمعيات تأجيل الجلسة، وقالت إحدى المحاميات إن القانون يسمح للجمعيات بالانضمام إلى الملف حتى وقت متأخر، مخاطبة رئيس الجلسة بالقول إن" المجتمع الفرنسي معلّق على قراركم وينتظره منذ ثلاثة أشهر".
ورأى محامون آخرون أن الوقائع بسيطة، وتتعلق بمنشور واحد يمكن للمحكمة أن تحكم فيه خلال جلسة اليوم، وأن الدفاع كان يعرف تفاصيل الملف منذ إبريل/ نيسان الماضي.
كما تحدث أغلب محامي الجمعيات عن تسبب منشور حسن بـ" إخلال بالنظام العام"، ما يستدعي من المحكمة إصدار حكمها من دون تأخير.
أما النيابة العامة، فقالت إن الإجراءات سارت ضمن الإطار المعتاد، وإن الملف لا يقوم بالضرورة على بُعد استثنائي.
وردّ برينغارت على معارضي التأجيل بالقول إن ما جرى داخل القاعة يثبت الحاجة إليه.
واعتبر أن بعض المداخلات حاولت تحويل الجلسة إلى منبر لاتهام موكلته والحكم عليها قبل صدور الحكم، لا إلى مساحة تسمح بسماع حسن والدفاع عنها.
وقال إن الدفاع لا يستطيع التعامل مع عشرات، وربما مئات الصفحات والوثائق التي تصله في الساعات الأخيرة، ثم يطلب منه أن يكون جاهزاً فوراً، مشيراً إلى أن" تسريع المحاكمة بهذه الطريقة يجعل القضاء أقرب إلى إجراء شكلي لا إلى نقاش متوازن".
وبعد أكثر من ساعتين من الخلوة، عادت هيئة المحكمة وأعلنت إرجاء المحاكمة إلى 19 و20 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وشددت على أن" الهدف هو ضمان سلامة النقاش وتمكين الجميع من دراسة الوثائق"، طالبة إرسال الملفات قبل ثمانية أيام من الجلسة المقبلة، ومؤكدة أنه لن يكون هناك طلب تأجيل إضافي.
وفي تعليق على ما خلصت إليه الجلسة، اعتبر المحامي برينغارت القرار" انتصاراً أولاً" للدفاع.
وقال للصحافيين إن بعض الجمعيات حاولت في اللحظة الأخيرة إرباك فريق حسن بإرسال خلاصات ووثائق متأخرة، لكن المحكمة أخذت بحجج الدفاع.
وأضاف أن الملف لا يزال في" الشوط الأول" منه، وأن النتيجة التي يطلبها الدفاع في النهاية هي" تبرئة كاملة وتامة" لحسن.
وقال إن موكلته" شجاعة وواثقة"، وإن الدفاع يرى أن الملاحقة التي تتعرض لها هي سياسية في الأساس، وأن سرعة تحريك الملف وظروف توقيفها في إبريل/ نيسان الماضي تعزز هذا التقدير.
وقبيل دخولها المحكمة، قالت حسن إن استهداف منتخبين بسبب مواقفهم السياسية، رغم حصانتهم، يعني أن كل من يدافع عن فلسطين وينتقد إسرائيل قد يصبح عرضة للملاحقة.
وكانت قد قالت، قبل الجلسة، لـ" العربي الجديد"، إن محاكمتها" سياسية" وتهدف إلى ترهيب الأصوات المتضامنة مع فلسطين في فرنسا.
كما قال برينغارت لـ" العربي الجديد" إن الملف يتجاوز المنشور نفسه إلى طريقة استخدام القانون الجنائي ضد خطاب سياسي مؤيد لفلسطين.
وقبل الجلسة، تجمع مئات من أنصار النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن، ظهر اليوم الثلاثاء، أمام محكمة الجنح في باريس، قبيل مثول النائبة أمام المحكمة على خلفية ملاحقتها بتهمة" تمجيد الإرهاب" بسبب مشاركتها منشوراً على منصة" إكس" في مارس/ آذار الماضي.
وشهدت الوقفة حضوراً بارزاً لقيادات ونواب من حزب" فرنسا الأبية"، في مقدمتهم زعيم الحزب والمرشح للرئاسة الفرنسية، جان لوك ميلانشون، ومنسق الحزب ووجهه الثاني، مانويل بومبار، إلى جانب النائبة الأوروبية الإسبانية عن حزب" بوديموس"، إيرينه مونتيرو، وممثلين عن جمعيات داعمة لفلسطين، من بينها" التحالف اليهودي الفرنسي من أجل السلام".
ورفع المشاركون أعلام فلسطين ولافتات لحزب فرنسا الأبية والحزب الشيوعي الفرنسي والاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام، وردّدوا شعارات مؤيدة لحسن وللفلسطينيين، من بينها" ريما، ريما، باريس معك"، و" إسرائيل تغتال أطفال فلسطين"، و" عاش كفاح الشعب الفلسطيني"، و" فلسطين ستحيا، فلسطين ستنتصر"، و" كلنا أطفال غزّة، كلنا أمهات غزّة، كلنا آباء غزة".
وقبيل دخولها إلى المحكمة، قالت حسن في كلمتها إن الضغوط التي تواجهها المواقف المتضامنة مع فلسطين في فرنسا باتت تتجاوز القضية الفلسطينية وحدها، لأنها تحولت إلى" مرآة" وامتحان للديمقراطيات الأوروبية نفسها.
وأضافت أن استهداف سياسيين منتخبين من المعارضة، ودفعهم إلى المحاكم بسبب آرائهم السياسية، رغم حصانتهم، يعني أنه بات ممكناً محاكمة كل من يدافع عن فلسطين وينتقد إسرائيل، معتبرة أن الحصانة والحضور الإعلامي يوفران لها ما قد لا يتوفر لبقية الناس ممن يرفعون أصواتهم لدعم فلسطين في فرنسا.
وتخللت الوقفة كلمات لعدد من السياسيين والناشطين، من بينهم الناطق باسم" جماعة تسيديك" اليهودية اليسارية، سيمون أسون، الذي قال إن محاكمة حسن هي في الحقيقة" محاكمة سياسية مقنعة بإجراء قضائي"، مضيفاً أن تهمتي" معاداة السامية" و" تمجيد الإرهاب" باتتا تستخدمان في فرنسا لإسكات الناشطين والمتضامنين مع القضية الفلسطينية.
أما النائبة الإسبانية مونتيرو، فقالت إنّ حسن" ليست وحدها" في نضالها، وإن كثيراً من الأوروبيين" يرفعون أصواتهم ضد الإبادة"، داعية السياسيين والمواطنين إلى عدم الصمت أمام ما يجري في غزة، وإلى وقف" تجريم التضامن مع فلسطين".
وسجلت، خلال الوقفة، مناوشات كلامية محدودة مع الشرطة من دون وقوع أعمال عنف، في وقت ردد فيه المتظاهرون شعارات تنتقد الحضور الأمني، مثل" كل الناس مناهضون للفاشية"، وهو أحد الشعارات التي ظل يرددها المتظاهرون بينما كانت حسن تدخل قاعة المحكمة، عند الواحدة والنصف من بعد الظهيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك