حتى كتابة هذه المدوّنة وردت أخبار مُتضاربة حول محاكمة الطبيبة أُمنية سويدان.
قد تُسجن لستة أشهر، وقد يُفرج عنها بكفالة، قد تُدان بتهمة تشويه سمعة مستشفى وتُبرّأ من تهمة تشويه قيم الأسرة أو العكس.
علينا الانتظار لنعرف الحكم النهائيّ على الطبيبة التي تحدّثت عن انتهاكات جنسية وبدنية مروّعة تتعرّض لها النساء في إحدى مستشفيات التوليد، لتليها شهادات مثيلة لأشخاص مُرتبطين بالميدان الطبّي حول الموضوع نفسه في مستشفيات أخرى.
تراوحت الانتهاكات من تقريع الحوامل وشتمهنّ وعدم مراعاة أبسط حقوقهنّ وأخلاق المهنة إلى العنف الجسديّ والتحرّش.
ومنذ فُتح ملفّ" العنف التوليديّ" تدفّقت منه كلّ أشكال إهانات آلام المخاض ومعاناة النِفاس وتداعيات الإجهاض، مثل قذف النساء في مخاضهنّ بتهم" الدلع" و" التهتّك" و" الفحش"، ما يذهب أبعد من كونه مجرّد إساءة تصرّف، إنّ الأمر أخطر بكثير.
من المرعب أن تحدث انتهاكات كهذه لأيّ امرأة في أيّ وقت، وتحديداً في المخاض، هذه اللحظة الفارقة، حين تكون المرأة في أضعف لحظاتها جسديّاً وعاطفيّاً وأكثرها خوفاً وتوتّراً، وبمعنى حرفي" بين الحياة والموت" -" الوجود والعدم".
ولأنّ العنف يأتي من ممرّضين وممرّضات وأطبّاء وطبيبات فإنّه ليس معركة جندريّة واجتماعيّة بين النساء والرجال، بل هو نموذج لتدنيس الأمومة وتشويهها وتحميل الأمّهات أقبح الذكريات وأعمق التجارب جرحاً.
تراوحت الانتهاكات من تقريع الحوامل وشتمهنّ وعدم مراعاة أبسط حقوقهنّ وأخلاق المهنة إلى العنف الجسديّ والتحرّشفي كثير من المحطّات التاريخيّة، اعتبر البشرُ المرأةَ في المخاض مبجّلة، وأحياناً شبه مقدّسة، يحيطونها بالدعم والصلوات والنذور والدموع، وفور تنجو من المخاض يقدّمون لها الرعاية لتتعافى، ويحتفون بإنجازها وخلاصها في كلّ تفصيل يوميّ، يبدأ من تحضير أطعمة خاصّة لها (مقوّية ومغذّية) ولا ينتهي بإهدائها الذهب وتحصينها بالحُجب والبخور.
فما الذي حدث اليوم لبني آدم وحواء؟ ما الذي حلّ بإنسانيّتنا؟ لماذا هبط المخاض من عليائه وصار مسرحاً للتحقير والإذلال؟ أليس هناك سبب قويّ جداً لترتبط لحظة الخلق تلك بذكريات مؤلمة ويبقى جرح الولادة مفتوحاً مهما أُلحق به من غرز جراحيّة وعقاقير؟ هذه اللحظة الفارقة في عمر كلّ امرأة وتاريخ النساء ككلّ لا تتعرّض لتشويه عرضيّ وطارئ، بل هي جزء من منظومة استباحة الأمّهات وتحقيرهنّ.
ورد في الحديث النبويّ أنّ المرأة التي تموت أثناء المخاض أو النفاس تُعتبر شهيدة.
للأمر دلالة كبيرة رغم عدم ذكره في القرآن الكريم الذي يعرّف الشهداء بأنّهم من يموتون في سبيل الله ويوضّح أنّهم أحياء يُرزقون عند ربّهم.
وفي الأدبيّات الشعبيّة تُعتبر المرأة في مخاضها بين يدي الله، فهي تُخرِج من أحشائها حياة جديدة، ويتفرّع من حبل سرّتها حبل جديد لوليدها، ما يضعها عند ذاك البرزخ الخطير.
ولكن منذ زمن راح سحر تلك المعجزة يخفت، بل يُخنق، تحديداً مع انخفاض نسبة وفيات النساء أثناء التوليد، حيث صار دفع امرأة بطفلٍ من خلال حوضها وعضلات ضعيفة تتقلّص وتتمدّد وكسر عتبات الألم العليا أمراً تافهاً تستحقّ الشاكية منه التقريع والإهانة.
ما دامت النساء حول العالم يُنجبن كلّ يوم وكلّ ساعة، وكثيرات منهنّ يأخذن حُقَن" ابيديورل" التي تُقصي آلام المخاض، والجراحات القيصرية صارت من أسهل الجراحات، فإنّ الهالة المحيطة بالمخاض والنفاس ما عادت تستحقّ في الوعي الجمعي المعاصر التبجيل والإجلال.
تقول هذه الشهادات المروّعة المسرّبة من أروقة وحدات التوليد للمرأة إنّها ليست على حافّة الموت، ولا" بين يدي الربّ"، بل بين أيدي طاقم طبّي وتمريضيّ شتّام ومعنّف وقاس، قبل أن تعود إلى عالمها خارج أسوار المستشفى، الذي لا يختلف كثيراً عمّا في داخلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك