تزايدت سرعة إيقاع اللعب في منافسات كأس العالم خصوصاً وفي الرياضة الحديثة عموماً، وعلى رغم ذلك فإنه لا يمكن للعَين أن تفوت المتعة التي تتحقق من مشاهدة اللقطات الرياضية المميزة التي ما زال يجسدها اللاعب الأشول أو الأعسر من خلال فنون هذه اللعبة العديدة.
وبين المعنى اللغوي الذي يوضح التسمية، والشرح العلمي الحديث لهذه الظاهرة، يستمر هذا اللاعب بتقديم سحره الخاص على أرض الملعب، إذ يعد اللاعب الأشول وهو ذلك اللاعب الذي يستخدم قدمه اليسرى في اللعب جزءاً أصيلاً من متعة كرة القدم منذ نشأتها وحتى يومنا هذا.
ويتميز اللاعب الأشول بقوة بدنية كبيرة إذا لعب في مراكز الدفاع، أما المهاجم الأشول فهو اللاعب القناص الذي لا يمكن لأحد التنبؤ بزاوية تسديده للكرة، فكونك لاعب كرة قدم محترفاً وتستخدم قدمك اليسرى في اللعب، أو حتى حارس مرمى وتستخدم يدك اليسرى أكثر من اليمنى فهذا يسمى في أعراف اللعبة باللاعب" الأشول".
جاءت التسمية" الأشول" من اللغة العربية، وهي ليست لقباً خاصاً بكرة القدم، بل وصف لغوي قديم يطلق على كل من يستخدم يده أو قدمه اليسرى أكثر من اليمنى.
وفي هذا السياق تكشف الموسوعات اللغوية العربية ومنها معجم المعاني تعريف كلمة" أشول" بأنها: " الذي يغلب على استعماله الشمال أي اليسار وهذا يشمل اليد أو القدم، وهو المعنى نفسه المستخدم لوصف اللاعب الذي يعتمد على قدمه اليسرى".
وتوضح الموسوعات اللغوية أيضاً أن" هذا مطابق تماماً لكلمة (أعسر) التي تستخدم أيضاً لوصف الشخص الذي يعتمد على اليسرى"، إذ تدل كلمة الأعسر والأشول أيضاً على صعوبة هذا الفعل وندرة ممارسيه في الواقع وفي الرياضة أيضاً.
يستفيد اللاعب بالقدم اليسرى من لحظة إرباك الخصم أكثر من غيره، فأجزاء من الثانية التي تحققها هذه الميزة للاعب القدم اليسرى قد تكون بالغة الأهمية وحاسمة في حدث مثل منافسة كأس العالم.
أما التفسير العلمي لظاهرة اللاعب الأشول فيوضح بدوره أن اللاعبين عموماً و" بوعي أو لا وعي، يبحثون دائماً عن أنماط في حركات الخصم، مما يساعدهم على فهم ما سيفعله لاحقاً".
وفي السياق ذاته يقول متخصصو التعلم الحركي واكتساب المهارات أيضاً" قد يكون نمط حركة الجسم عند خصمك انحناءً طفيفاً في إحدى الكتفين، أو حركة ما دقيقة للجذع، ولذلك فإن طريقة تحرك اللاعب في الملعب تشير إلى نيته، ومن ثم تكشف طريقة اللعب العامة له"، والذي يحدث علمياً في حال اللاعب الأشول هو أنه" عندما تتعطل كل أنماط الحركة هذه بسبب أنماط الحركة الأقل شيوعاً لدى اللاعبين الذين يستخدمون القدم اليسرى، فقد يحتاج اللاعبون المنافسون إلى وقت إضافي لتحليل المعلومات، واتخاذ القرار، ثم تنفيذه".
وفي السياق ذاته، يؤكد العلماء الذين يراقبون حركة الرياضيين العالميين أنه" وعلى رغم أن اللاعبين المحترفين يتمتعون بخبرة واسعة في التعامل مع الخصوم الذين يستخدمون القدم اليسرى واليمنى على حد سواء، فإن هذه الأجزاء من الثانية تصب تماماً في مصلحة اللاعب الأشول، وقد تكون بالغة الأهمية وحاسمة في حدث رياضي عالمي بهذا الحجم".
مزايا استخدام القدم اليسرىما مزايا استخدام القدم اليسرى في كرة القدم الاحترافية؟ هذا السؤال يتكرر باستمرار، وأصبح بمثابة السؤال اللغز الدائم الحضور في منافسات كأس العالم والمنافسات الرياضية الكبرى، وذلك لأن العِلم الرياضي الحديث يستخرج من هذا السؤال في كل مونديال معاني ومفاهيم جديدة، فبينما تشاهد لاعبيك المفضلين خلال كأس العالم وتعجب بلياقتهم البدنية وذكائهم ومهارتهم، فإنك لا بد من أن تتساءل أيضاً عن السحر الذي يضفيه اللاعبون الذين يستخدمون القدم اليسرى على أرض الملعب.
وقد يكون كثر لا يعلمون أن كلاً من ليونيل ميسي وبوكايو ساكا ولامين يامال ومحمد صلاح وإيرلينغ هالاند، وهم لاعبون موهوبون تقنياً ومميزون بدنياً بالكامل، إلا أن ما يجمع هؤلاء جميعاً هو ميّزة فريدة أخرى تكمن في أقدامهم، فهم جميعاً يستخدمون القدم اليسرى بالفطرة.
هل يمكن تدريب القدم اليسرى؟أخيراً أكد التعلم الحركي واكتساب المهارات أنه من الممكن تدريب القدم اليسرى لمن يلعبون فطرياً بالقدم اليمنى، إذ تجيب الطبيبة كايلي ستيل عن هذا السؤال بالقول: " نعم، وينبغي على الجميع فعل ذلك إذا أرادوا التطور كلاعبين.
مع ذلك فإن هذا لا يغير تفضيلك الفطري".
وتضيف كايلي ستيل وهي أكاديمية تحمل بكالوريوس في التربية البدنية من جامعة سيدني وماجستير في علوم التربية البدنية من جامعة نيو إنغلاند وحازت على دكتوراه من جامعة سيدني عام 2009: " بدلاً من ذلك، عليك أن تنمّي مستوى من المهارة الوظيفية في استخدام كلتا القدمين، إذ تدرب جانبك غير المفضل ليكون بكفاءة جانبك المفضل نفسه، أو قريباً منه، لكن الأهم من ذلك هو أن اللاعبين الذين يبذلون الوقت والجهد اللازمين لتحقيق ذلك يحظون بتقدير كبير في الأوساط الرياضية".
في هذا السياق كتبت كايلي ستيل وهي محاضرة أولى في التعلم الحركي واكتساب المهارات في جامعة غرب سيدني، على موقع المحادثة البريطاني، مقالة بعنوان" كأس العالم: لماذا يعدّ اللاعبون الذين يستخدمون القدم اليسرى مثل ميسي ذوي قيمة كبيرة في كرة القدم؟ ".
ونشرت المقالة في الـ23 من يونيو (حزيران) 2026، وجاء فيها" يعد كل من الأرجنتيني ليونيل ميسي، والإنجليزي بوكايو ساكا، والإسباني لامين يامال، والمصري محمد صلاح، لاعبين ذوي مهارات عالية في كرة القدم، وإن اختلفت أساليبهم قليلاً، وكذلك النرويجي إيرلينغ هالاند، طويل القامة، قوي البنية، وموهوب تقنياً، لكن ما يجمع هؤلاء اللاعبين جميعاً هو ميزة فريدة تكمن في أقدامهم، فهم جميعاً يستخدمون القدم اليسرى بالفطرة".
وتوضح كايلي أنه" بينما تراوح نسبة مستخدمي القدم اليسرى في العالم ما بين 14 و17 في المئة، ترتفع هذه النسبة في المنتخبات الدولية إلى ما بين 23 و32 في المئة، بل وتصل إلى 41 في المئة بين المدافعين في فرق الشباب في هولندا"، ثم تسأل كايلي ستيل وهي أيضاً أكاديمية بارزة في مجال اكتساب المهارات والأداء البشري، وتبحث في العوامل المؤثرة في كيفية تعلمنا وأدائنا المهارات الحركية والإدراكية المطلوبة في الرياضة واللعب والمهن المرتبطة بالحركة، بما في ذلك المجال العسكري والفنون الأدائية والسياقات البيئية المعزولة: " لماذا؟ وما مزايا استخدام القدم اليسرى في كرة القدم الاحترافية؟ ".
وفي معرض إجابتها عن السؤال تقدم كايلي شرحاً علمياً دقيقاً لبعض جوانب هذه الظاهرة، إذ تسهب في حديثها عن" القيمة التكتيكية" للاعب الأشول، التي تعود جزئياً إلى أن المدربين عند اختيار اللاعبين لا ينظرون فقط إلى اللياقة البدنية والحركة والمهارات الذهنية، بل ينظرون إلى استخدام القدم اليسرى، " فهذه السمة لها قيمة استراتيجية هائلة في الملعب".
تشير كايلي في مقالتها إلى دراسات علمية حديثة في هذا الصدد وتقول" أظهرت دراسة هولندية أن استخدام القدم اليسرى يزيد من فرص اختيار اللاعبين في منتخبات تطوير الشباب الوطنية.
مع ذلك، لا يضمن ذلك الوصول إلى المستويات الاحترافية، ففي مراحل الاختيار يكون هؤلاء اللاعبون نادرين، ولكن بمجرد دخولهم منظومة كرة القدم، يزداد انتشار استخدام القدم اليسرى بصورة ملحوظة، مما يعني منافسة أكبر على المراكز ذات الصلة".
وعلى رغم ذلك، يدرك المدربون القيمة التكتيكية لاستخدام القدم اليسرى في كرة القدم، إذ تستفيد الفرق من هذه الميزة كثيراً عندما يوضع اللاعبون في الجانب الذي يتوافق مع جانب الركل المفضل لديهم من الملعب.
وبذلك يستطيع اللاعبون المتمركزون في هذه المناطق، مثل اللاعب الأسترالي المتميز هاري كيويل، تنفيذ تمريرات سريعة وفعّالة بلمسة واحدة.
ويعني علماء الحركة الرياضية بذلك تمرير أو تسديد الكرة بلمسة واحدة بدلاً من المراوغة، فهؤلاء اللاعبون لا يحتاجون إلى تغيير وضعيتهم لاستلام أو تمرير الكرة بقدمهم المفضلة، لأنهم يكونون بالفعل في مواقعهم المطلوبة تماماً.
بالنسبة إلى كثير من المدربين فإنههم يفضلون استخدام اللاعب ذي القدم اليسرى في المراكز اليسرى من الملعب، وذلك لأنه عند تمرير الكرة للأمام، لا يضطر اللاعب إلى تمريرها إلى جانبه الأيمن، الذي يقع في منتصف الملعب، مما يتيح رؤية الكرة بصورة أوضح للاعبي الخصم الذين يرجّح أن يتدخلوا لإيقاف المهاجم، وبالمثل، يعد استخدام القدم اليمنى ميزة في الجانب الأيمن من الملعب.
ولذلك ووفق كايلي أيضاً" يستطيع نجوم مثل ميسي، الذين يستخدمون القدم اليسرى، استغلال هذه الميزة الفطرية عند اللعب على الجناح الأيمن كجناح معكوس"، والجناح المعكوس كروياً هو جناح يلعب على الجانب المقابل لقدمه المفضلة، ويمكنه المراوغة أكثر عبر الملعب، " ويعد كريستيان فولباتو، لاعب المنتخب الأسترالي الصاعد، مثالاً آخر على ذلك".
إلى جانب تمكنهم من اللعب بالقدم اليسرى، وبفضل مهاراتهم في التعامل مع الكرة بالقدم اليمنى أيضاً، يمكن لهؤلاء اللاعبين إرباك المدافعين، والتوغل إلى العمق باستخدام قدمهم المفضلة، إذ يتيح هذا للاعب حرية أكبر في وضعية جسمه، ويوسع مجال رؤيته، مما يوفر زوايا مثالية لتمرير الكرة إلى المهاجمين، وبذلك يمكن أن يشكل اللاعبون الذين يستخدمون القدم اليسرى صعوبة كبيرة في مواجهة خصومهم.
يذكر أن تخصص التعلم الحركي واكتساب المهارات للاعبين الرياضيين هو تخصص رياضي علمي حديث، أضيفت فيه مؤلفات ومنشورات عدة أسهمت بدورها في تحديد دور اختصاصيي اكتساب المهارات الرياضية.
ويركز هذا التخصص على تطبيق المبادئ العلمية لسدّ الفجوة بين النظرية والتطبيق العملي للرياضيين والمدربين على حد سواء، كذلك يهتم التخصص خصوصاً بالصلة بين المعلومات البصرية واتخاذ القرارات، ودور اللعب المحفوف بالأخطار في تطوير المهارات الحركية والحركة الإبداعية.
وجاء عبر موقع المحادثة البريطاني، الذي نشرت فيه المقالة المذكورة، نبذة تعريفية مختصرة عن الطبيبة كايلي بوصفها واحدة من رواد هذا التخصص، إذ أكد الموقع أنها قدمت أبحاثها على الصعيدين الوطني والدولي، ونشرت عدداً من الأوراق البحثية في هذه المجالات، وأشار إلى أن لدى كايلي الخبرة منذ عام 2009 كباحثة في معهد ماركس بجامعة غرب سيدني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك