Independent عربية - ماذا ستأكل الكائنات الفضائية إذا وصلت إلى الأرض؟ روسيا اليوم - لوبان تعلن ترشحها للرئاسة الفرنسية 2027 بعد تخفيف عقوبة منع الترشح Independent عربية - نتنياهو: بيع "أف-35" لتركيا ينسف توازن القوى في الشرق الأوسط Independent عربية - زيارة ماكرون إلى دمشق تحبس أنفاس "المقاتلين الفرنسيين" إعلام العرب - بزشكيان والزيدي يصلان إلى النجف لاستقبال جثمان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي روسيا اليوم - رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمريكيين والروس تذكرنا بقوة اللغة الفنية صحيفة العرب - هندسة الخوف تخنق الأبيّض السودانية روسيا اليوم - بالفيديو.. مواجهة حادة بين حسام حسن ومشجع أرجنتيني تعمد استفزاز المدرب المصري بعلم إسرائيل قناة القاهرة الإخبارية - جولة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران.. 3 ملفات تحسم مسار التفاوض التلفزيون العربي - حسام حسن: مصر تعرضت لظلم تحكيمي من أجل استمرار ميسي والأرجنتين
عامة

عيون اصطناعية تصالح وجوه جرحى غزة مع المرآة

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

أمام مرآة صغيرة معلقة على جدار متصدع داخل مستشفى العيون بمدينة غزة، وقف الشاب أحمد يتأمل عينه الاصطناعية البديلة التي ركبت له للتو.كانت أصابعه ترتجف وهي تلامس برفق جانبه الأيمن من الوجه، الذي غيبت م...

ملخص مرصد
أطلقت مستشفى العيون بغزة مبادرة طبية لإنشاء عيون اصطناعية لآلاف الجرحى الذين فقدوا أعينهم بسبب الحرب، حيث جرى تركيب 100 عين فقط من أصل 600 طلب خلال 48 ساعة. وتحولت المرآة من عدو يخشاه المصاب إلى نافذة لاستعادة الثقة بالنفس بعد رؤية ملامحه المكتملة. وتواجه المبادرة قيوداً لوجستية بسبب الحصار الإسرائيلي على إدخال مستلزمات طبية أساسية.
  • أحمد جريح فقد عينه بشظية صاروخ، استعاد ملامحه بعد تركيب عين اصطناعية في مستشفى غزة
  • مبادرة مستشفى العيون تستهدف 100 عين اصطناعية فقط لآلاف المصابين (600 طلب في 48 ساعة)
  • الحصار الإسرائيلي يمنع إدخال مواد طبية أساسية، مما يهدد استمرارية المبادرة
من: أحمد (مصاب) / محمد مسلم (المدير الطبي) / حسام داوود (مدير عام) / هدى أبو عودة (أخصائية نفسية) أين: مستشفى العيون بمدينة غزة

أمام مرآة صغيرة معلقة على جدار متصدع داخل مستشفى العيون بمدينة غزة، وقف الشاب أحمد يتأمل عينه الاصطناعية البديلة التي ركبت له للتو.

كانت أصابعه ترتجف وهي تلامس برفق جانبه الأيمن من الوجه، الذي غيبت معالمه شظية صاروخ إسرائيلي، خلفت محجراً فارغاً وتشويهاً قسرياً، كان يهرب منه طوال الوقت بإشاحة وجهه عن المارة، وإغلاق عينيه في عتمة غرفته خوفاً من مواجهة واقعه الجديد.

حبس الجميع أنفاسهم وهو ينظر إلى القطعة الزجاجية الجديدة، التي جرى تفصيلها بدقة متناهية لتطابق لون وتفاصيل عين أحمد اليسرى السليمة، مستقرة في مكانها لتعيد إلى وجهه توازنه المفقود.

للمرة الأولى منذ الإصابة، لم تكن المرآة عدواً يخشى أحمد مواجهته، بل أصبحت نافذة لابتسامة خجولة ولدت على شفتيه بعد أن رأى ملامحه التي ظن أنها اندثرت للأبد تحت ركام الحرب.

يصمت أحمد قليلاً، ثم يقول" طوال الفترة الماضية كنت أتحاشى النظر في أي مرآة أو الخروج إلى الشارع تجنباً لنظرات الشفقة والتساؤلات التي تذبحني من الداخل".

ويضيف" لم أكن أتوقع أن أرى وجهي مكتملاً مرة أخرى، هذه العين الاصطناعية رممت ملامحي الخارجية وأعادت لي كرامتي وشجاعتي".

أحمد حالة من بين آلاف الجرحى الذين وجدوا أنفسهم فجأة بوجه مغاير تتقاسمه الندوب وفقدان البصر، وفي ظل هذا الاحتياج المتصاعد، أطلق مستشفى العيون بغزة مبادرة" العيون الاصطناعية".

لا تقتصر هذه المبادرة على تقديم جراحة تجميلية عابرة، بل تقود معركة طبية وإنسانية لإعادة إعمار الوجوه وتضميد الأرواح المكسورة خلفها، وتفتح الطريق أمام أصحابها للعودة إلى الحياة ومواجهة الواقع.

في العيادة التخصصية بمستشفى العيون، تدور معركة معقدة أشبه بنحت التحف الأثرية، إذ تحولت غرف الفحص والمختبرات الصغيرة إلى ورشة عمل حية لتجهيز العيون الاصطناعية.

قبل الحرب، كانت المراكز المتخصصة بتصنيع العيون الاصطناعية المفصلة بناء على مقاسات فردية دقيقة تغطي هذه الحاجة، غير أن تدمير المراكز والمنشآت الطبية أوقف هذه الصناعة.

ومع إغلاق المعابر ومنع جرحى الحرب من السفر لتلقي العلاج بالخارج، لم يعد أمام الكوادر الطبية المحلية سوى الاعتماد على حلول ابتكارية ذاتية لسد الفجوة ومراوغة الأزمة.

تبدأ العملية الطبية بعد استلام الأعين الاصطناعية الجاهزة المحدودة جداً، والتي وصلت عبر وفود طبية وتبرعات دولية قليلة لا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياج.

يقول المدير الطبي لمستشفى العيون محمد مسلم" يباشر الطاقم الفني المتخصص بالمستشفى، والذي خضع لتدريبات ودورات متقدمة مسبقاً في هذا المجال بمعالجة هذه القطع الجاهزة يدوياً وتطويعها".

ويضيف" تشمل العملية أخذ قياسات محجر العين للمصاب بدقة عبر قوالب شمعية، ومن ثم إدخال تعديلات هندسية وفيزيائية على قطر العين الزجاجية الجاهزة، وصقل حوافها يدوياً وتلوينها لتعويض الفراغ المشوه ومطابقة حجم ولون قزحية العين الطبيعية السليمة للمريض قدر الإمكان".

ويوضح مسلم أن تنفيذ المبادرة يعد قفزة طبية فرضها الحصار، فالعمل يجري عبر تنسيق فائق الدقة بين فريق جراحي متخصص وطواقم التمريض وأخصائيي البصريات.

ويؤكد أن المبادرة تعد محاولة مستميتة لسد النقص الحاد في الخدمات وتقديم خيار علاجي محلي بديل للجرحى الذين حرموا من حقهم المشروع في السفر للعلاج بالخارج.

هذا الإنجاز يصطدم بجدار قيود المعابر، حيث تمنع إسرائيل إدخال المستلزمات الطبية والبوليميرات والمواد المخبرية المخصصة لتفصيل العدسات التجميلية بشكل مرن، مما يجعل مخزون المستشفى مهدداً بشكل دائم.

يقول مدير عام مستشفى العيون حسام داوود" المبادرة انطلقت بنحو 100 عين اصطناعية جاهزة فقط، وكنا نتوقع أن تلبي هذه الكمية حاجة الحالات الحرجة جداً، لكننا صدمنا بحجم الفاجعة فور فتح باب التسجيل الإلكتروني".

قبل الحرب، كانت إصابات العيون وفقدان البصر تقع ضمن المعدلات الطبيعية الناتجة من الحوادث العرضية، وكانت العيادات التخصصية تتعامل مع حالات فردية محدودة سنوياً.

غير أن الحرب أحدثت قفزة مرعبة لم يعشها تاريخ الطب الحديث، إذ تسبب استخدام قذائف التشظية والصواريخ ذات القدرة التدميرية الهائلة بتحويل إصابات العيون إلى ظاهرة جماعية.

بحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية فإنها سجلت قرابة 17 ألف إصابة في العيون، وهي تمثل نسبة ضخمة تعادل 11 في المئة من إجمالي جرحى الحرب البالغ عددهم أكثر من 171 ألف مصاب.

وتكشف إحصائيات مستشفى العيون التخصصي أن الإصابات المباشرة وشظايا المقذوفات تسببت في بتر واستئصال كامل للعين لأكثر من 700 مصاب باتوا يعانون من محجر عين فارغ وتشوهات قسرية، من بينهم نحو 100 جريح فقدوا كلتا العينين تماماً.

وعندما فتحت إدارة مستشفى العيون رابطاً إلكترونياً لتسجيل هؤلاء المصابين الراغبين في تركيب عيون تعويضية، تسلمت المنصة أكثر من 600 طلب رسمي خلال أول 48 ساعة فقط.

تصطدم هذه الأعداد المروعة بالقدرة الاستيعابية للمبادرة والتي لا تتعدى 100 عين اصطناعية فقط جرى تأمينها بشق الأنفس، وهذا يعني عجز المستشفى عن تلبية احتياجات نحو 88 في المئة من الجرحى في الوقت الحالي.

وسط هذا العجز وضعت الطواقم الطبية أمام واحدة من أقسى المعضلات الأخلاقية والإنسانية وهي" المفاضلة والفرز" بين الضحايا، يؤكد مدير مستشفى العيون حسام داوود أن" الأرقام التي وصلتنا عبر رابط التسجيل تعكس كارثة تفوق طاقة أي مؤسسة طبية محاصرة، والسبب المباشر هو طبيعة الأسلحة والشظايا التي استهدفت وجوه المدنيين بشكل مكثف".

ويقول" التفاوت بين المتوافر والمطلوب أجبرنا على تشكيل لجان طبية لوضع نظام مفاضلة قاسية جداً لتحديد من يستحق نيل الأولوية في هذه المرحلة، لقد استندت المعايير إلى تقييم طبي دقيق يمنح الأسبقية للأطفال والنساء، والشباب في سن العمل".

هذه المفاضلة، تترك مئات المصابين في حالة انتظار مرير، إذ تحولت طوابير المراجعين في أروقة المستشفى إلى لوحة حية من الترقب والخوف.

ويضيف داوود" استبعاد أي جريح قرار يمزق قلوبنا كأطباء، فكل مصاب يرى في العين الاصطناعية بوابته الوحيدة لترميم حياته".

خلف هذا الاضطرار الطبي تدفع الفئات الأكثر هشاشة ثمناً مضاعفاً يمتد إلى عمق تركيبتهم النفسية وعلاقتهم بالمرآة وبالمنظومة الاجتماعية المحيطة بهم.

داخل خيام النزوح ينعزل الصغار المصابون ويرفضون اللعب، ويقفون في اضطرابات ما بعد الصدمة والخوف المستمر من مواجهة العالم.

يتجسد ذلك في قصة الطفلة ليان التي فقدت عينها اليسرى إثر قصف استهدف منزل عائلتها، تروي والدتها" ابنتي كانت شعلة من الحركة والذكاء، لكن بعد الإصابة واستئصال عينها، تحولت إلى طفلة أخرى صامتة تماماً، ترفض الخروج من الخيمة".

تعيش النساء اللواتي فقدن أعينهن معاناة مكتومة، تقول سلوى" الحرب سرقت بيتي وعيني، لكن الأسوأ كان شعوري بأنني صرت عبئاً ثقيلاً مشوهاً حتى على أطفالي وزوجي، كنت أغطي نصف وجهي طوال اليوم بالنقاب داخل مركز الإيواء حتى لا يرى أحد محجري الفارغ".

في الظروف الطبيعية، تتراوح كلفة تصنيع وتفصيل العين الاصطناعية الواحدة لملاءمة مقاسات المريض ولون قزحيته في المراكز الطبية خارج غزة ما بين 1500 إلى 4000 دولار أميركي.

وتعد هذه الأرقام فلكية وخارجة عن قدرة عائلة فلسطينية استنزفت الحرب ممتلكاتها ومدخراتها، مما يجعل السفر الفردي لتلقي هذا العلاج الترميمي على النفقة الخاصة خياراً مستحيلاً لـ99 في المئة من المصابين.

وتبرز القيمة الاستثنائية لمبادرة مستشفى العيون التخصصي في كونها تقدم هذه الخدمة بشكل مجاني، غير أن هذه المجانية تصطدم بواقع تمويلي هش ومحدود، فالمبادرة تعتمد بشكل أساسي على تبرعات عينية شحيحة ومتقطعة من شركاء دوليين ومؤسسات إغاثية غير حكومية.

ولا تقتصر الأزمة على التمويل المالي، بل تمتد لتشمل المعضلة الأخطر وهي ندرة المواد الأولية اللازمة للاستدامة.

فصناعة وتعديل العيون الاصطناعية محلياً يتطلبان تدفقاً مستمراً لمواد كيماوية وبوليميرات طبية خاصة ومستلزمات الصقل والتلوين المعقمة، وكلها مواد يمنع دخولها بانتظام، مما يتسبب في شلل متكرر لعيادة التصنيع.

في المقابل، يُرجع الجانب الإسرائيلي الإجراءات الصارمة المفروضة على حركة البضائع والمستلزمات الطبية عبر المعابر إلى محددات أمنية واستراتيجية فرضتها ظروف الحرب.

يقول منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي" قيود الاستيراد لا تستهدف منع الإغاثة الطبية أو الإنسانية للمدنيين، بل تهدف بالدرجة الأولى إلى منع وصول المواد مزدوجة الاستخدام إلى أيدي الفصائل المسلحة داخل القطاع".

أما في ما يتعلق بملف قيود السفر ومنع تحويل الجرحى للعلاج بالخارج، يقول هليفي" هناك مخاوف استخباراتية من استغلال التنسيقات الطبية والإنسانية لتهريب عناصر مسلحة، أو خروج قيادات ميدانية تحت غطاء الإصابة، وتخضع المعابر لتقييمات أمنية يومية بناءً على حجم التهديدات الميدانية على الحدود، وفحص طلبات الخروج الفردية يستوجب تدقيقاً أمنياً شاملاً للتأكد من عدم ارتباط مقدم الطلب بأي أنشطة عسكرية ضد إسرائيل قبل منح تصاريح العبور".

فقدان العين ليس مجرد عجز في حاسة البصر، بل هو هزة عنيفة تضرب مركز الهوية والثقة بالنفس لدى الإنسان، إذ تسببت التشوهات الناتجة من استئصال الأعين في نشوء ظاهرة" العزلة القسرية المظلمة"، ويرى الأخصائيون النفسيون أن تركيب العين الاصطناعية يمثل نقطة تحول حاسمة من العزلة إلى الاندماج.

تشرح الأخصائية النفسية هدى أبو عودة" لا تقتصر النتيجة على تحسين المظهر الخارجي، بل تمتد لتحدث إعادة هيكلة جذرية للحالة النفسية للمصاب، فبمجرد استعادة الوجه لتوازنه البصري، يتخلص الجريح تدريجاً من سلوك التجنب ويستعيد دافعيته للتواصل البصري مع الآخرين، وهو ما ينعكس فوراً على قدرته على الخروج إلى الأسواق والعودة إلى مقاعد الدراسة أو البحث عن فرص عمل مجدداً من دون الشعور بوصمة التشوه".

تقول أبو عودة" هذا التحول من العتمة إلى النور يتجاوز الأثر الفردي ليلامس المحيط الأسري والاجتماعي للجرحى، فالعين البديلة تعيد للمصابين القدرة على التبسم ومواجهة مراياهم وأطفالهم وعائلاتهم بثقة، وتنزع عن كاهل الأسر عبء القلق المزمن على مصير أبنائهم المنعزلين، مما يبرهن مجدداً على أن هذه المبادرة هي عملية إعادة إعمار حقيقية للإنسان قبل أن تكون جراحة للملامح".

مع انتهاء الطواقم الطبية من تركيب العيون التعويضية لا تنتهي رحلة الجرحى العلاجية، فالحفاظ على هذا الإنجاز التجميلي والوقاية من الانتكاسات الطبية يفرضان تحدياً مستمراً على الجرحى وعلى المنظومة الصحية.

يقول المدير الطبي لمستشفى العيون محمد مسلم" من الناحية الطبية، تحتاج العين الاصطناعية المصنوعة من الأكريليك الطبي إلى رعاية يومية صارمة تشمل إخراجها وتنظيفها بمحاليل معقمة خاصة لمنع تراكم الإفرازات البكتيرية داخل محجر العين".

ويضيف" في ظل ظروف النزوح الكارثية والعيش داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات النظافة والمياه الصالحة للشرب، يتحول هذا الإجراء الوقائي البسيط إلى معركة شبه مستحيلة".

يوضح مسلم أن احتمالات إصابة الجرحى بالتهابات مزمنة أو تقرحات في الأنسجة المبطنة للمحجر أو حدوث ضمور متسارع في عضلات العين مرتفعة للغاية، مشيراً إلى أن المعضلة تتضاعف عند الأطفال، فجماجم الصغار وعظام وجوههم وأنسجة محجر العين لديهم تخضع لعملية نمو وتغير فيزيائي مستمر وسريع.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك