يتضمن كتاب" يتمنعن وهن الراغبات" (دار ديوان) للكاتبة المصرية سلمى الطرزي مقاربة نسوية للأفلام التجارية المصرية، انتهجها من قبل الناقد علي أبو شادي في كتابه عن كلاسيكيات السينما المصرية.
وهو حلل مجموعة من الأفلام التجارية الشهيرة، وفكك خطابها الرجعي غالب الأحيان، ولو كان أصحاب هذا الخطاب من المخرجين المرموقين في الصناعة، مثل عز الدين ذو الفقار.
وهكذا فعلت الناقدة والمونتيرة صفاء الليثي في كتابها الصادر عام 2021 عن دار روافد بعنوان" القيم الاجتماعية كما تعكسها أفلامنا"، متناولة بعض أفلام الخمسينيات والستينيات.
غير أن مقاربة سلمى الطرزي تختلف بعض الشيء، إذ تخرج من إطار التنظير البحت إلى دراسة التأثير المباشر لهذه الأفلام في حياتنا الشخصية كنساء، وفي حياتها الشخصية كامرأة ضمن" النظام البيئي البطريركي".
شئنا أم أبينا، تؤدي الأفلام الكلاسيكية دوراً في تربيتنا العاطفية، إنها الأفلام التي نُشاهدها ليل نهار، ومن دون أن نختار بالضرورة مشاهدتها.
تحكي الطرزي: " بشكل عام، كانت مشاهد الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي في الأفلام هي ما تثير بداخلي المشاعر المرتبكة التي تسبب لي الإحراج إذا ما شاهدتها في حضور الأهل، بينما لم تسبب لي القبلات والعناق قدراً يذكر من الإحراج".
إن ما يبدأ كلعبة مثيرة في مرحلة المراهقة، ينتهي لدى الكاتبة بكابوس يدفعها إلى التساؤل: " لماذا يثيرنا ما يثيرنا؟ وماذا نفعل بتفضيلاتنا إذا أدركنا عدم تجذرها داخلنا وأنها نتيجة لبناء اجتماعي وثقافي أكثر من أي شيء آخر؟ وأنا أكثر من يعلم الآن أن الاغتصاب الحقيقي أبعد ما يكون عن الإثارة".
تستعين سلمى الطرزي بالرسم للتعبير عن أفكارها بطريقة سلسة تناسب الأجيال الأحدث، وكذلك بالاستشهادات العامية الخفيفة الظل، التي تخفف من وطأة الموضوع.
ترسم لنا مثلاً خريطة لمشاعرها المتناقضة إزاء مشهدين من فيلمين مختلفين.
أولاً مشهد القبلة على خد البطلة في فيلم" أم العروسة" إخراج عاطف سالم 1963، الذي ينتهي بصفع البطل حسن يوسف، بينما تظهر البطلة سعادتها حين تختلي بنفسها.
والثاني محاكاة لمشهد اغتصاب في فيلم" مستر إكس" إخراج محمود فريد عام 1972، علماً بأن الفيلم نفسه ينتمي إلى نوع السخرية أو البارودي من الأفلام البوليسية.
هذه المرة كانت الضحية النجمة ميرفت أمين: " تؤدي دروها كأيقونة جنسية تم صفعها وتقديمها للعالم داخل الأفلام وخارجها، كمنتج في حد ذاته ذي خصائص محددة وثابتة.
الأيقونة الجنسية هي موضوع أبدي للرغبة".
من أجل أقصى استفادة تجارية ممكنة من حضور الأيقونة، كان ينبغي إضفاء نوع من الإروتيكية على مشهد الاغتصاب، وإن لم تحتج الدراما فعلياً إلى ذلك: " الهدف ليس توزيع الاتهامات، بل محاولة فهم العوامل المتداخلة التي تجعل مشهداً ما مثيراً في مجتمع تسوده هذه الثقافة".
تتكون الثقافة السينمائية لصناع السينما المصريين من مشاهدات للأفلام الأميركية، ويحاولون لاحقاً تقليدها، باعتبارها السينما الأنجح في العالم، لكن هذه الثقافة تتشكل أيضاً من دراسة قواعد الصناعة في معاهد السينما وأكاديمياتها.
بدورها نشأت القواعد في بيئة مختلفة عن بيئتنا، لكنها نقلت إلينا كمبادئ التحليل النفسي كما هي: " تم تلقينها لنا باعتبارها نصوصاً مقدسة، نصوصاً مطلقة منزوعة السياق، وذات سلطة غير خاضعة للمساءلة".
على سبيل المثال ما درسناه عن أهمية الركن الذهبي من الكادر: " السبب أن العين الأوروبية تنجذب لليسار بشكل آلي، لأن ذلك هو اتجاه الكتابة بالأبجدية اللاتينية والأعلى لأنه بداية الصفحة"، بينما جرى التركيز على الجانب التكنيكي من الصناعة، أُهمِل الخطاب والفكر السينمائيان.
وقبل أن تمضي الكاتبة أبعد من ذلك، وبصفتها أيضاً صانعة أفلام تتساءل: " هل تعد مسألة تمثيلات العنف والرغبة في السينما السائدة بمثابة إصدار أحكام أخلاقية على الإبداع؟ هل تعد محاولة نقد وتحليل هذه الخطابات سعياً لفرض الرقابة على خيال المُبدعين؟ ".
إن ما يُضفي على تساؤلات سلمى الطرزي بُعداً براغماتياً، ويدخلنا معها في حيرتها هو ذلك الاعتراف الصادم: " فجر الإثنين الموافق 15 أبريل (نيسان) من عام 2018، تعرضت للاغتصاب تحت تهديد السلاح في منزلي.
كنت قد آويت إلى الفراش بعد أن – وياللمفارقة - انتهيت من رسم الصفحة الثامنة من قصة مصوَّرة حول العنف الجنسي".
بعد هذه اللحظة، لم يعد ممكناً رؤية الأفلام القديمة بالصورة المثالية نفسها: " حقق فعل الاغتصاب الحقيقي للمُغتصِب وحده مُتعة وإشباعاً ما.
أنا الضحية، استقبلته كانتهاك شديد البشاعة، وبالتأكيد خالٍ من أي متعة".
في طريقها إلى التعافي، استشارت سلمى نظريات الفيلم النسوية المؤسسة، في محاولة منها لاستيعاب كيف يُصدَّر الاغتصاب في السينما التجارية على أنه مشاهد إثارة.
تحدثت لورا مولفي عن" تحديقة الذكر" التي تفرض الذكورة" كوجهة نظر" أو كمنظور".
غير أن سلمى لم تقنع تماماً بهذه التحليلات التي بدت بعيدة عن خبرتها الشخصية، " في حقيقة الأمر، كلما سعيتُ خلف الإجابات شعرت باتساع الفجوة بين فهمي النظري وإحساسي الفعلي".
هكذا تكتفي سلمى تقريباً من التنظيرات، وتقرر فحص الأفلام التي تتضمن مشاهد اغتصاب إيروتيكية في محاولة لفهم طريقة عملها.
إنها تُفرِد مساحة كبيرة نسبياً لتحليل فيلم" هي فوضى" عام 2007، ليوسف شاهين وخالد يوسف – على أن بصمة الأخير أوضح في الفيلم على كل حال.
يجري تقديم اغتصاب الأمين حاتم (خالد صالح) لنور (منة شلبي، التي ترمز بشكل مباشر إلى مصر)، على أنه رغبة عجز عن كبتها، ويعمد السيناريو إلى خلق حالة مفاجئة من التعاطف مع المُغتصِب لا ضحيته، وتبني وجهة نظره بطريقة تتنافى مع حال الاشمئزاز والمسافة التي بناها السيناريو مع شخصية الأمين الفظة واللاإنسانية منذ بداية الفيلم.
تقول سلمى: " لكن لو اتفقنا أن منطق الخطاب الذي يتبناه الفيلم يحتم اغتصاب نور/ مصر من أجل رمزية القصة، أفليس مثيراً للدهشة أن يدفعنا الفيلم للنظر إليها بعين المغتصب؟ ".
ليس هذا فحسب، بل يغير نظرتنا نحن إلى المُغتصِب، إذ صار بقدرة قادر هو الضحية: " إن مونولوج الندم لا يسمح للمغتصب وحده بالتطهر، بل يتطهر معه الجمهور الذي شاركه ’المتعة‘ من خلال المشاهدة، وجهاز الرقابة الذي صرح بالمشهد".
تطرح سلمى سؤالاً آخر من واقع مشاهداتها: " هل النساء وحدهن من يتعرضن للاغتصاب؟ "، بالتأكيد لا، لكن النساء وحدهن مَنْ تُصنع من معاناتهن وانتهاكهن موضوعاً للمتعة، والدليل الفارق في التنفيذ السينمائي بين مشهدي انتهاك داخل فيلم واحد هو" عمارة يعقوبيان" 2006، إخراج مروان حامد: مشهد انتهاك" سعاد" (سمية الخشاب) على يد النسوة بهدف إجهاضها، وبين مشهد اغتصاب" طه" (محمد إمام) في السجن، " يبدو وكأن هناك قاعدة غير منطوقة تنص على أن انتهاك النساء هو" موضوع للنظر" يدعو إلى تناوله بأسلوب مشهدي، بينما انتهاك الرجال هو" أمر ما كان لنا أن نراه"، فإذا حدث فلتكن نظرة خاطفة، احتراماً لجلال الموقف".
تربط سلمى بين هذه النظرة للنساء والتوجه السياسي لدولة يوليو (تموز) ونظامها البطريركي أيام عبدالناصر، إذ حُددت للمرأة أدوار اجتماعية معينة، جعلتها رمزاً للدولة نفسها، كما ظهر رمز" بهية" في أفلام تجارية عدة.
ومع انتصار الخطاب الأبوي ونظرته المستريبة من العالم على أفلام تلك المرحلة، فإن بعض هذه الأعمال، التي تتناولها سلمى بالتحليل والسخرية، وعلى رغم خضوعها للخطاب العام، لم تسلم حتى من يد الرقابة: " نتيجة لذلك، نجد أنفسنا أمام معارك عبثية يناضل فيها الفنانون ضد الوصاية البطريركية التي تمنعهم من التعبير عن أفكارهم التي كثيراً ما تكون بطريركية أيضاً! وعندما تجد الأصوات التقدمية نفسها مُضطرة مرة بعد الأخرى إلى التضامن مع حق عرض هذه الأفلام، يصبح نقد خطاب هذه الأفلام معركة ثانوية ليس الوقت الحالي مناسباً لها".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ما الحل إذاً؟ لا تخبرنا سلمى بصورة مباشرة، والحال أن عمل سلمى بجرأته وحيويته وصدقه، بطرحه للسؤال هو جزء من الحل.
وفي القدرة على مساءلة الأعمال الفنية ونقدها بحرية، على خلفية من همومنا وحياتنا الاجتماعية وفي سياقنا الزماني والمكاني المحدد.
من حسن الحظ أن معاهد السينما وأكاديمياتها فقدت احتكارها تدريس قواعد السينما، بل صارت صناعة السينما أسهل باعتماد وسائل التكنولوجيا الحديثة التي لا تكف عن التطور.
من جهة ثانية، ينبغي الالتفات في المقابل لدور صانعات الأفلام المستقلات سواء من مصر أو العالم العربي، في تقديم حكايات جديدة بأصوات طازجة لا تبتذل معاناة النساء من أجل المكسب التجاري.
ومن بين هذه التجارب تجدر الإشارة إلى فيلم" الجميلة والكلاب" من إخراج التونسية كوثر بن هنية عام 2017، ويروي حادثة اغتصاب حقيقية من وجهة نظر امرأة وبمعايشة لحظات انتهاكها المريرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك