يرتبط مفهوم الإجازة في أذهان كثيرين بالاسترخاء واستعادة النشاط والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، إلا أن الواقع يختلف لدى فئة ليست بالقليلة، إذ يجد بعض الأشخاص أنفسهم أكثر توترًا أو انشغالًا أو إرهاقًا بعد السفر أو الحصول على إجازة.
وبينما يعتقد البعض أن الأمر يتعلق بسوء التخطيط أو عدم اختيار الوجهة المناسبة، يؤكد خبراء الصحة النفسية أن السبب قد يكون أعمق من ذلك، ويرتبط بطريقة عمل الدماغ والحالة النفسية التي يعيشها الفرد قبل الإجازة وأثنائها.
وفقًا لتقرير نشره موقع MIU Center، فإن الشعور بعدم الراحة خلال الإجازة لا يعني أن الشخص لا يعرف كيف يستمتع بوقته، بل قد يكون انعكاسًا لحالة نفسية حقيقية تجعل الجهاز العصبي غير قادر على الانتقال بسهولة من حالة التوتر المستمر إلى حالة الاسترخاء، حتى وإن تغير المكان أو ابتعد الإنسان عن مسئولياته اليومية.
الدماغ لا ينتقل إلى الاسترخاء بضغطة زريرى المتخصصون أن الاسترخاء ليس قرارًا يتخذه الإنسان بمجرد وصوله إلى مكان هادئ، وإنما هو حالة فسيولوجية تعتمد على توازن الجهاز العصبي.
فعندما يعيش الشخص لفترات طويلة تحت ضغط نفسي أو يعاني اضطرابات مثل القلق أو الاكتئاب، يظل الدماغ في حالة يقظة وتأهب، لذلك لا يختفي التوتر تلقائيًا بمجرد بدء الإجازة.
كما أن تغيير البيئة المحيطة لا يغيّر بالضرورة طريقة استجابة الدماغ للمواقف، إذ يبقى الشخص يفكر في العمل أو المسئوليات أو المخاوف نفسها، حتى وهو في مكان مخصص للراحة.
فقدان الروتين قد يزيد القلقيعتمد بعض الأشخاص على الروتين اليومي للشعور بالأمان والسيطرة على تفاصيل حياتهم، لذلك قد يؤدي السفر أو تغيير مواعيد النوم والطعام أو الانتقال إلى بيئة جديدة إلى زيادة الشعور بعدم الارتياح بدلاً من تقليله.
وتشير الأدلة العلمية إلى أن الدماغ الذي يميل إلى القلق يتعامل مع الغموض والتغييرات المفاجئة باعتبارها مواقف تستدعي الحذر، وهو ما قد يفسر شعور البعض بالتوتر رغم وجودهم في أجواء يفترض أنها مريحة.
ضغوط ما قبل السفر قد تستمر طوال الرحلةولا تبدأ الضغوط النفسية مع الإجازة نفسها، بل قد تسبقها بأيام.
فمحاولة إنهاء المهام قبل السفر، وتجهيز الاحتياجات، وترتيب الالتزامات الأسرية، والتأكد من كل التفاصيل، قد ترفع مستويات التوتر بشكل كبير.
وقد يحمل البعض هذا الضغط معهم إلى الإجازة دون أن يشعروا، فيقضون الأيام الأولى وهم منشغلون ذهنيًا بما تركوه خلفهم، ثم يضيفون إلى ذلك شعورًا بالإحباط لأنهم لم يتمكنوا من الاسترخاء كما كانوا يتوقعون، فتتحول الإجازة نفسها إلى مصدر جديد للضغط النفسي.
الاكتئاب قد يحرم صاحبه من الشعور بالمتعةيؤكد المتخصصون أن الاكتئاب لا يقتصر على الحزن فقط، بل يؤثر أيضًا في قدرة الدماغ على الشعور بالمتعة والراحة واستعادة الطاقة.
ولهذا قد يقضي الشخص ساعات طويلة في النوم أو يجلس أمام البحر أو في مكان طبيعي خلاب، لكنه لا يشعر بأي تحسن حقيقي في حالته النفسية.
وفي كثير من الأحيان تكشف الإجازات أعراض الاكتئاب بصورة أوضح، لأن الانشغال اليومي يختفي، فتظهر المشاعر السلبية التي كانت تؤجلها مسئوليات العمل والدراسة والحياة اليومية.
متى يكون الأمر مؤشرًا يستدعي الاهتمام؟يفرق خبراء الصحة النفسية بين الإرهاق الطبيعي الذي يزول بعد فترة من الراحة، وبين حالة تستمر رغم الحصول على إجازة كافية.
فإذا عاد الشخص من الإجازة وهو يشعر بالإجهاد نفسه، أو فقد قدرته على الاستمتاع بالأنشطة التي كان يحبها، أو أصبح يشعر بالانفصال عن المحيطين به، أو استمر لديه الإحساس بالتشاؤم والإنهاك، فقد تكون هذه مؤشرات تستحق استشارة مختص في الصحة النفسية، لأن تغيير المكان وحده لا يعالج الاضطرابات النفسية.
هل تكفي الإجازة لتحسين الصحة النفسية؟يؤكد الخبراء أن الإجازة تمثل وسيلة مهمة للحفاظ على التوازن النفسي والوقاية من الإرهاق، لكنها ليست علاجًا للحالات النفسية التي تحتاج إلى تدخل متخصص.
فحين يكون القلق أو الاكتئاب موجودين بصورة مؤثرة، قد تساعد الراحة في تخفيف بعض الأعراض مؤقتًا، لكنها لا تعالج السبب الأساسي، وهو ما يفسر استمرار الشعور بعدم الارتياح لدى بعض الأشخاص مهما تغيرت الوجهة أو طالت مدة الإجازة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك