إن وجود أحزاب سياسية قوية وفاعلة ولديها حراك في الشارع واحتكاك مع الجمهور والتفاعل مع مشكلات ومطالب المواطنين يساهم في بناء استقرار الدول وتحقيق الإصلاح السياسي وتعزيز الديمقراطية وتنمية المشاركة السياسية وتعزيز الوعي السياسي لدى المواطنين.
وفي ضوء ذلك جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته أثناء افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة، بشأن تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، لتؤكد أن الدولة تسير بخطى ثابتة نحو تعزيز المشاركة السياسية وبناء حياة حزبية أكثر فاعلية، باعتبارها أحد الركائز الأساسية لاستقرار الدولة وتطورها الديمقراطي.
وتكتسب هذه التوجيهات أهمية كبيرة في ظل ما تشهده مصر من مرحلة بناء للجمهورية الجديدة، التي تتطلب إعداد كوادر سياسية وشبابية مؤهلة تمتلك الوعي والكفاءة والقدرة على المشاركة في صنع القرار والعمل العام، بما يضمن ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية.
كما أن تنشيط الحياة الحزبية يسهم في إثراء التعددية السياسية ورفع مستوى التنافس البرامجي بين الأحزاب وتعزيز التواصل مع المواطنين، وإعداد قيادات قادرة على خوض الاستحقاقات الانتخابية، وفي مقدمتها انتخابات المجالس المحلية، بما يدعم اللامركزية ويعزز دور الإدارة المحلية في تحقيق التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.
لذلك أتمنى أن تتحرك الأحزاب السياسية في مصر والتي يتجاوز عددها 104 حزب، وأن يكون لديها خطة واستراتيجية عمل تضع تأهيل وتدريب وإعداد الكوادر السياسية الشبابية على رأس الأولويات، وأن يكون لديها تواجد حقيقي على أرض الواقع في الشارع حتى يعرفها المواطن ويقتنع بدورها تواجدها وحتى يمكنها أن تشارك في الحياة السياسية بشكل قوي وأن تسهم في إثراء المشاركة السياسية.
في ذات السياق، جاءت أهمية توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، باستكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية لتحقيق المشاركة الشعبية في مراقبة العمل في وحدات الإدارة المحلية وضبط الأداء الإداري فيها، حيث إن وجود المجالس المحلية المنتخبة ستكون خطوة مهمة لخدمة المواطنين وحل مشكلات الوحدات المحلية، وستسهم في تنشيط العمل الحزبي، لأن إجراء انتخابات المجالس المحلية بعد سنوات من غيابها ستمنح الأحزاب فرصة حقيقية للحضور وسط المواطنين من خلال برامج واقعية تتعلق بالخدمات والتنمية المحلية.
فقد آن الأوان لاستكمال بناء المؤسسات السياسية والدستورية، باعتبار المجالس المحلية الضلع الثالث في معادلة بناء الجمهورية الجديدة، فعلى مدار 15 عاماً، ظلت المجالس المحلية هى الاستحقاق المؤجل في الحياة السياسية المصرية، رغم أنها تمثل إحدى أهم أدوات الإدارة الرشيدة وصمام الأمان الحقيقي لمراقبة الأداء التنفيذي داخل المحافظات والمدن والقرى، وتأخر انتخاب هذه المجالس ترتب عليه غياب إحدى أهم حلقات التواصل بين المواطن والدولة.
ومن هنا تكتسب توجيهات الرئيس السيسي أهمية استثنائية، لأنها تعكس إرادة سياسية واضحة لاستكمال البنية المؤسسية للدولة، بما يعزز المشاركة الشعبية ويمنح المواطنين دوراً مباشراً في متابعة الأداء التنفيذي داخل وحداتهم المحلية.
إن فلسفة المجالس المحلية لا تقتصر على تقديم الخدمات أو مناقشة مشكلات الشوارع والطرق، وإنما تقوم على ترسيخ مبادئ الرقابة الشعبية والشفافية والمساءلة، فهذه المجالس تمتلك أدوات رقابية تمكنها من متابعة أداء الأجهزة التنفيذية، ورصد أوجه القصور، والمطالبة بحلول عاجلة للمشكلات اليومية، وهو ما يسهم في رفع كفاءة الإدارة المحلية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما أن الانتخابات المحلية تمثل أكبر مدرسة للممارسة الديمقراطية في أي دولة، لأنها الأقرب إلى المواطن والأكثر ارتباطاً باحتياجاته اليومية، ومن خلالها يتعرف المواطن على المرشح من خلال برنامجه وقدرته على حل المشكلات، وليس فقط عبر الشعارات العامة، وهو ما يعزز ثقافة المشاركة ويمنح العملية الديمقراطية مضموناً حقيقياً.
إن توجيهات الرئيس السيسي شملت الربط بين إجراء الانتخابات المحلية وتنشيط الحياة الحزبية، فالأحزاب السياسية لن تستطيع بناء قواعد جماهيرية حقيقية دون وجود استحقاقات انتخابية محلية واسعة تتيح لها التواصل المباشر مع المواطنين، وطرح كوادرها وبرامجها في مختلف المحافظات، ولذلك فإن انتخابات المجالس المحلية ستكون اختبارا حقيقياً لقدرة الأحزاب على الانتقال من العمل النخبوي إلى العمل الجماهيري، ومن الخطاب السياسي إلى تقديم حلول واقعية لمشكلات المواطنين.
فالعمل المحلي كان ولا يزال المدرسة الأولى التي تخرج منها كثير من القيادات التنفيذية والتشريعية في مختلف دول العالم، لأنه يمنح الشباب خبرة مباشرة في إدارة الملفات اليومية، ويصقل قدراتهم في التخطيط واتخاذ القرار والتواصل مع المواطنين، كما أن عودة المجالس المحلية ستعيد التوازن إلى توزيع الاختصاصات بين المؤسسات المختلفة، فعضو مجلس النواب سيعود للتركيز على دوره الدستوري في التشريع والرقابة على الحكومة، بينما تتولى المجالس المحلية متابعة الخدمات اليومية والرقابة على الأجهزة التنفيذية داخل نطاقها، وهو ما يحقق تكاملاً مؤسسيا ينعكس في النهاية على جودة الأداء الحكومي وسرعة الاستجابة لمطالب المواطنين.
وفي النهاية، فإن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإجراء انتخابات المجالس المحلية تمثل نقطة انطلاق جديدة نحو استكمال البناء المؤسسي للدولة المصرية، وتجسد قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية تبدأ من القاعدة، وأن المواطن يجب أن يكون شريكاً أصيلاً في صنع القرار المحلي ومراقبة تنفيذ السياسات العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك