في لحظة تشبه البدايات الأولى للأشياء، حين تكون الفكرة أكبر من شكلها، وُلد عبد الله عمران تريم عام 1948 في الشارقة، لا كاسم في سجل الميلاد فحسب، بل كإشارة مبكرة إلى جيل سيأتي لاحقًا ليكتب معنى الدولة قبل أن تكتمل خرائطها، ويعيد تعريف العلاقة بين الكلمة والسلطة، وبين التعليم والهوية، وبين الصحافة بوصفها مهنة والصحافة بوصفها موقفًا من العالم.
في تلك البيئة الأولى، حيث تتجاور البساطة مع الطموح، تشكّل وعيه على أن الزمن القادم لا يحتاج إلى موظفين عابرين، بل إلى رجال يرون أبعد من اللحظة، ويكتبون المستقبل قبل أن يتشكل.
انتقل في سنواته الأولى بين الشارقة والكويت، ثم إلى القاهرة، وهناك في جامعة القاهرة تفتح وعيه على التاريخ بوصفه علمًا لا يدرس الماضي فقط، بل يفكك الحاضر ويعيد صياغته.
حين حصل على إجازته في التاريخ عام 1966، لم يكن مجرد طالب ينجز متطلبات أكاديمية، بل كان يلتقط من كتب التاريخ فكرة أوسع: أن الأمم لا تُبنى بالصدفة، وأن ما يبدو حاضرًا مستقرًا هو نتيجة تراكم طويل من القرارات والأحلام والتضحيات.
عاد إلى الشارقة ليعمل في التعليم، فكان مدرسًا ثم مديرًا لإدارة المعارف.
وفي تلك المرحلة المبكرة، اكتشف أن التعليم ليس نقل معرفة بل صناعة إنسان، وأن المدرسة ليست جدرانًا بل مختبرًا لبناء المواطن.
كان يرى أن الحرف الأول الذي يُكتب على اللوح هو في الحقيقة حجر الأساس في بناء دولة كاملة، وأن مستقبل الوطن يبدأ من عقل طفل في الصف الأول أكثر مما يبدأ من أي قرار سياسي.
في تلك المرحلة كان شقيقه تريم عمران تريم يشاركه الحلم من زاوية أخرى، زاوية الصحافة التي كانت في الخليج آنذاك مغامرة فكرية ومهنية في آن واحد.
التقت الرؤيتان: التعليم والإعلام، وتحوّل الأخوان إلى مشروع واحد غير معلن اسمه بناء الوعي.
لم تكن الصحافة بالنسبة إليهما مجرد مهنة، بل امتدادًا لفكرة الدولة القادمة، ولذلك حين أسسا مجلة الشروق ثم جريدة الخليج عام 1970، كانا يفتحان نافذة في جدار صامت، نافذة يدخل منها الضوء ويخرج منها الصوت.
لم يكن عبد الله مجرد إداري أو شريك، بل كان عقلًا يؤمن بأن الإعلام لا ينجو إلا إذا ظل مرتبطًا بالمجتمع، وأن الجريدة ليست ورقة يومية بل سجل حيّ لتحولات الناس والدولة.
كان يرى أن الصحافة حين تنفصل عن الإنسان تتحول إلى ضجيج، وأن دورها الحقيقي هو أن تمنح المجتمع مرآته النقدية، لا أن تكتفي بنقل صوره.
ومع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، دخل قلب التحول التاريخي، فكان ضمن الجيل الذي شارك في كتابة الدولة من الداخل.
تولى وزارة العدل في مرحلة التأسيس الأولى، وكان ينظر إلى المنصب بوصفه اختبارًا لفكرة العدالة ذاتها: كيف تتحول القيمة الأخلاقية إلى نظام قانوني، وكيف يصبح العدل مؤسسة لا شعارًا، وكيف تُبنى الثقة بين المواطن والدولة عبر القضاء قبل أي شيء آخر.
ثم انتقل إلى وزارة التربية والتعليم، ليعود إلى جذره الأول.
هناك حاول أن يجعل التعليم جزءًا من مشروع وطني شامل، لا مجرد خدمة حكومية.
كان يؤمن أن المدرسة هي المكان الذي تُصنع فيه هوية المواطن، وأن المناهج ليست مواد دراسية فقط، بل رؤية للدولة عن نفسها.
ولذلك سعى إلى ربط التعليم بالهوية والانتماء، وإلى تحويل المعرفة إلى أداة لبناء الإنسان لا مجرد تخزين معلومات.
في موازاة العمل الحكومي، واصل مسيرته الأكاديمية، حتى حصل على الدكتوراه من جامعة إكستر، وكأن رحلته مع المعرفة لم تكن تكميلية بل امتدادًا طبيعيًا لفكرة أعمق: أن من يشارك في تأسيس الدولة يحتاج أن يفهم التاريخ لا بوصفه سردًا، بل بوصفه قانونًا يحكم تحولات الشعوب.
غير أن الصحافة بقيت حاضرة في قلبه، ولم تغادره حتى وهو في مواقع الدولة.
فالخليج التي أسسها مع شقيقه لم تكن مؤسسة إعلامية فحسب، بل كانت مشروعًا فكريًا مستمرًا.
ومع تطورها إلى مؤسسة إعلامية كبرى، أصبحت واحدة من أبرز التجارب الصحفية في الخليج، لأنها لم تكن تكتفي بنقل الخبر، بل كانت تصنع موقفًا، وتؤسس لوعي صحفي يرى في القارئ شريكًا في الفهم لا مجرد متلقٍ.
ومع مرور الزمن، أصبح أكثر التصاقًا بإدارة المؤسسة بعد رحيل شقيقه، فحمل إرثًا ثقيلًا من التجربة والرؤية، وحافظ على الخط الإعلامي الذي يرى أن الصحافة ليست سلطة بديلة ولا تابعة، بل ضمير نقدي للمجتمع.
كان يؤمن بأن الصحفي الحقيقي هو من يطرح الأسئلة الصعبة، ويمنح الصوت لمن لا صوت له، ويقاوم التبسيط الذي يفرغ الواقع من تعقيده.
مثّل عبد الله عمران تريم أحد الأعمدة الفكرية والتنظيمية التي أسهمت في ترسيخ خط جريدة الخليج بوصفها صحيفة ذات نزعة عروبية واضحة ورؤية وطنية تتجاوز المحلي إلى الفضاء العربي الأوسع، إذ لم يكن ينظر إلى الصحافة باعتبارها مهنة إخبارية فحسب، بل باعتبارها مشروعًا ثقافيًا وسياسيًا يعكس هموم الأمة ويعيد صياغة وعيها.
وقد عمل، منذ المراحل التأسيسية للجريدة مع شقيقه تريم عمران، على ترسيخ خطاب صحفي يقوم على الانحياز للقضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وعلى تبني خطاب نقدي تجاه الاستعمار بكل أشكاله، مع التأكيد على هوية الخليج بوصفه جزءًا من الجسد العربي لا هامشًا فيه.
وفي مرحلة التطوير المؤسسي لدار الخليج، حافظ على هذا الخط العروبي، لكنه وسّعه مهنيًا ليصبح أكثر اتزانًا وعمقًا، فجمع بين وضوح الموقف وصلابة الفكرة من جهة، وبين المهنية الصحفية الحديثة من جهة أخرى، الأمر الذي جعل الخليج تتحول إلى منبر عربي مؤثر لا يكتفي بنقل الحدث، بل يشارك في تفسيره وصياغة دلالاته، ويمنح القارئ مساحة لفهم التحولات السياسية والثقافية في المنطقة ضمن رؤية فكرية متماسكة.
لم يكن الخط العروبي لجريدة الخليج مجرد خيار فكري أو توجه تحريري، بل كان أيضًا اختبارًا صعبًا للاستقلال المهني في بيئة إقليمية وسياسية متقلبة، وقد واجهت الصحيفة عبر مراحلها الأولى ضغوطًا سياسية واقتصادية ومحاولات لتطويق صوتها أو دفعها إلى التخفيف من حدة خطابها، إلا أن عبد الله عمران تريم، مع شقيقه، تمسّك بفكرة أن الصحافة لا تُقاس بقدرتها على إرضاء القوى النافذة، بل بقدرتها على التعبير عن ضمير الناس وقضاياهم الكبرى.
ومن هنا اكتسبت الخليج مكانتها بوصفها صحيفة لا تساوم على جوهرها، بل تطوّر أدواتها المهنية دون أن تتخلى عن موقفها، فجمعت بين الصرامة التحريرية والالتزام القومي، وبين الانفتاح المهني والهوية الفكرية الواضحة، وهو ما منحها حضورًا متمايزًا في المشهد الإعلامي الخليجي والعربي.
لم يكن حضوره محصورًا في الإعلام أو السياسة، بل امتد إلى الفعل الفكري والثقافي، من خلال المشاركة في المؤتمرات والندوات وكتابة المقالات، حيث ظل قريبًا من فكرة أن الدولة مشروع ثقافي قبل أن تكون مؤسسة سياسية.
ولذلك ظل اسمه مرتبطًا بكل لحظة تأسيس أو تطوير في بنية الإعلام والتعليم في الإمارات.
وحين يُستعاد مساره اليوم، لا يُنظر إليه كشخصية إدارية أو سياسية فقط، بل كجزء من جيل كامل حمل مهمة الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الدولة.
جيل كتب الفكرة قبل أن تُبنى المؤسسات، وصاغ الوعي قبل أن تُرسم السياسات، وآمن بأن التاريخ لا يُصنع في اللحظة فقط، بل في تراكم الرؤية والعمل.
وفي عام 2014، حين رحل في الشارقة، لم تُغلق صفحة رجل، بل طُويت مرحلة من تاريخ طويل.
لكن أثره بقي ممتدًا في المؤسسات التي أسسها، وفي الصحافة التي ساهم في تطويرها، وفي التعليم الذي وضع بعض أسسه الأولى، وفي ذاكرة دولة تعرف أن بعض الرجال لا يُقاسون بما شغلوا من مناصب، بل بما تركوه من أثر في فكرة الوطن نفسها.
وفي خاتمة هذا المسار الذي امتد بين التعليم والدولة والصحافة، يبدو عبد الله عمران تريم كأنه لم يكن مجرد اسم في سجلّ المناصب أو عابرًا في تاريخ المؤسسات، بل كان فكرة تمشي على قدمين، تؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون وطنًا، وأن الصحافة يمكن أن تكون ضميرًا، وأن الدولة لا تكتمل إلا حين تتكئ على وعي يحرسها من الداخل.
رحل الجسد وبقي الأثر، وغاب الصوت وبقي صداه في صفحات كتبتها الخليج بمداد العروبة والالتزام، وفي ذاكرة وطن يعرف أن بعض الرجال لا يرحلون حقًا، بل يتحولون إلى علامات على طريق المعنى، وإلى ضوء خافت لكنه لا ينطفئ، يذكّر كل من يأتي بعدهم أن الكلمة إذا صدقت، صارت تاريخًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك