ينتمي كتاب" مذكرات حمار.
مذكرات الحمار العالم كديشون" للكونتيسة دي سيجور (ترجمة حسين الجمل، دار معجم، القاهرة، 2026) إلى تقليد أدبي ممتدّ عبر الثقافات، تتحول فيه الحيوانات إلى مرايا أخلاقية كاشفة للبشر.
هذا التقليد، الذي عرفناه عربياً في كليلة ودمنة ورسائل إخوان الصفا في باب الحيوان، يجد هنا صيغة أوروبية أكثر مباشرة، لكنها لا تخلو أيضاً من عمق أخلاقي ونبرة ساخرة.
دي سيجور التي عاشت في القرن التاسع عشر، ألّفت مجموعة كتب ظهرت في سياق كتابات موجّهة ظاهرياً للأطفال، وتحمل نزعة تربوية واضحة.
وُلدت المؤلفة في روسيا قبل أن تستقر في فرنسا، وارتبط اسمها بسلسلة من المؤلفات التي تمزج بين الحكاية الأخلاقية والسرد المشوّق.
غير أن" مذكرات حمار" تبدو نصاً مختلفاً نسبياً داخل هذا المشروع، لأنها تمنح الحيوان صوتاً كاملاً، بوصفه كائناً يعيش ويخطئ ويتأمل.
وتظل فرضية تأثرها بنصوص شرقية ممكنة، إذ إن هذا النوع من الحكايات كان قد انتقل إلى أوروبا عبر ترجمات متعددة منذ قرون، وأصبحت جزءاً من تراث سردي مشترك.
ورغم أن النص لا يعتمد البنية الرمزية المركبة أو الحكاية داخل الحكاية، إلا أنه يحتفظ بالوظيفة نفسها، أي كشف الإنسان عبر صوت الحيوان.
يروي الحمار كديشون في الكتاب حكايته مع البشر، وينطلق من افتراض خيالي بأنه كائن واعٍ، وقادر على الحكم والتقييم.
هذه الفرضية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والحيوان من زاوية العدالة، حيث يضعنا الكتاب أمام صورة معاكسة تماماً لما رسخ في المخيال الشعبي عن الحمار كائناً غبياً وكسولاً، فهو هنا حساس، شديد الذكاء، وقادر على التمييز بين الخير والشر.
ومن اللافت أيضاً أن أحد أهم خطوط السرد يقوم على محاولة البطل الدفاع عن سمعته، وكأن النص كله هو محاكمة ثقافية للصورة النمطية.
في أحد المقاطع، يعبّر كديشون عن دهشته من الأحكام البشرية، قائلاً إن الإنسان يصف الحيوان بالغباء، بينما يتصرف هو نفسه بتهور وقسوة لا يمكن تفسيرها بالعقل.
لا تستخدم الرمز السياسي المعقد الذي نجده عند ابن المقفعهذه المفارقة هي جوهر الكتاب.
فالحمار، الذي يُفترض أنه أدنى مرتبة، يظهر أكثر أخلاقية من البشر الذين يتعاملون معه.
وهو ما يقرّب النص من كليلة ودمنة، حيث تُسند الحكمة إلى الحيوان، بينما يُفضح الإنسان عبر أفعاله.
لكن الفرق هنا أن" مذكرات حمار" لا تستخدم الرمز السياسي المعقد الذي نجده عند ابن المقفع، إذ يميل النص إلى السرد المباشر، حيث التجربة الفردية هي محور الحكاية.
تتوزع مغامرات كديشون على سلسلة من المواقف التي يتعرض فيها لسوء المعاملة أو الخداع أو الاستغلال، وفي كل مرة ينجو بفضل ذكائه أو طيبته أو قدرته على فهم البشر.
في إحدى الحكايات، يتعرض الحمار لمعاملة قاسية من مالكٍ لا يرى فيه سوى وسيلة للعمل، فيقرر أن يتمرد بطريقة ذكية، فيتعمد التباطؤ وافتعال العجز كلما أُجبر على العمل تحت الضرب، ثم ينقلب فجأة إلى حيوان نشيط حين يبتعد عن صاحبه القاسي.
هذه القدرة على التحايل تمنحه بعداً إنسانياً واضحاً، وتجعل القارئ يتعاطف معه، إلا أن النص لا يقدم الحمار كديشون كائناً مثالياً أو خالياً من العيوب، فهو يخطئ ويتعلم، ويندفع، أو يسيء التقدير، ويملك دائماً قدرة على مراجعة نفسه، وهو ما يمنح السرد طابعاً تربوياً، دون أن يتحول إلى خطاب وعظي مباشر.
نص عن الأخلاق في وضع غير متكافئ كتبته دي سيجور، فالحمار يعيش في عالم لا يملك فيه سلطة، ورغم ذلك يحاول أن يكون عادلاً، وأن يرد الخير بالخير، وأن يقاوم الظلم دون أن يتحول إلى ظالم.
وتعتمد الكاتبة على لغة بسيطة وواضحة، لكنها مشحونة بحس ساخر، فالحمار يعلّق على تصرفات البشر بنبرة تجمع بين الدهشة والتهكم، ما يجعل النص قريباً من القارئ، خصوصاً أن السخرية في النص توظف لكشف التناقض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك