مع صدور المرسوم رقم 149 لعام 2026، دخلت المحكمة الدستورية العليا في سوريا مرحلة جديدة، بعد تعيين رئيسها وستة أعضاء سيضطلعون بمهام الرقابة على دستورية القوانين وتفسير الإعلان الدستوري، في واحدة من أهم المؤسسات القضائية خلال المرحلة الانتقالية.
وتكتسب المحكمة الدستورية العليا أهمية خاصة باعتبارها أعلى جهة قضائية مختصة بالرقابة الدستورية، إذ يناط بها ضمان توافق التشريعات مع الإعلان الدستوري، والفصل في الإشكالات الدستورية، وتقديم التفسير الملزم لنصوصه عند الحاجة، بما يجعلها إحدى الركائز الأساسية في تنظيم العلاقة بين السلطات خلال المرحلة الانتقالية.
وتكشف التشكيلة الجديدة عن مزيج من القضاة وأساتذة القانون والمحامين، إذ تضم شخصيات راكمت خبرات في القضاء النظامي والعمل الأكاديمي، إلى جانب أسماء شاركت في صياغة الإعلان الدستوري أو في جهود إصلاح المنظومة القانونية، فضلاً عن قضاة انشقوا عن نظام الأسد المخلوع وعاد بعضهم لاحقاً إلى المؤسسة القضائية، وهو ما يعكس تنوع الخلفيات المهنية والقانونية للأعضاء الذين سيتولون قيادة أعلى هيئة للرقابة الدستورية في البلاد.
عصام الخليف.
أكاديمي وقانونييتولى رئاسة المحكمة الدستورية العليا الدكتور عصام خالد الخليف، وهو قانوني وأكاديمي من مواليد منطقة الغاب في محافظة حماة عام 1981.
حصل الخليف على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق عام 2005، ثم نال درجة الماجستير في القانون الخاص من جامعة حلب عام 2013 عن رسالة بعنوان" عقد استخدام الجثة لأغراض التحصيل العلمي.
دراسة مقارنة"، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة إدلب عام 2023.
عمل بداية كمراقب دخل في مديرية مالية حماة منذ عام 2010، قبل أن ينشق عن النظام في الأول من تشرين الأول 2013.
ومنذ عام 2015 التحق بجامعة إدلب مدرساً في كلية الشريعة والحقوق، كما تولى منصب مدير مكتب العلاقات العامة في الجامعة، ثم شغل منصب أمين الجامعة، ورأس اللجنة المركزية للقوانين فيها.
تركزت أبحاثه العلمية على القانون المقارن والفقه الإسلامي، منها دراسة" تحديد لحظة موت الإنسان.
دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني"، إضافة إلى بحث" لحظة الوفاة" المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية والقانونية.
خير الله غنوم.
قاضٍ منشقيعد القاضي خير الله نديم غنوم من أكثر أعضاء المحكمة خبرة في العمل القضائي، إذ شغل طوال عقود مناصب مختلفة في القضاء السوري، وكان آخرها مستشاراً في محكمة الاستئناف بمدينة حمص قبل انشقاقه عن النظام.
بعد انشقاقه، ارتبط اسمه بتجربة القضاء في مناطق المعارضة، وشارك عام 2015 في إعلان تأسيس مجلس القيادة العليا لهيئة أركان الجيش السوري الحر، قبل أن يتولى رئاسة محكمة النقض التي تم تشكيلها في محافظة حلب عام 2018.
بعد تحرير سوريا وسقوط الأسد، عاد القاضي غنوم إلى المؤسسة القضائية الرسمية بتعيينه مستشاراً في محكمة النقض بدمشق، في آب 2025.
كما ظهر في نيسان 2026 خلال حفل تكريم القضاة المنشقين، وقال حينها إن انشقاقه كان" انحيازاً للحق"، معتبراً التكريم اعترافاً معنوياً بتضحيات القضاة الذين غادروا مؤسسات النظام المخلوع.
إسماعيل الخلفان.
متخصص في القانون الدوليينتمي الدكتور إسماعيل حمادي الخلفان إلى الجيل الأكاديمي المتخصص في القانون الدولي، حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة مونبلييه الفرنسية في القانون الدولي، وعمل عضواً في الهيئة التدريسية بكلية الحقوق في الجامعة الدولية للعلوم والنهضة بمدينة اعزاز.
بعد سقوط نظام الأسد، تم تكليفه، في كانون الأول 2024، بتسيير أعمال عمادة كلية الحقوق في جامعة حلب، قبل أن يشغل منصب العميد المكلف للكلية.
كما كان أحد أعضاء لجنة صياغة الإعلان الدستوري، التي وضعت الوثيقة الدستورية المؤقتة المنظمة للمرحلة الانتقالية.
ريعان كحيلان.
خبيرة القانون الدستوريتمثل الدكتورة ريعان حسن كحيلان إحدى الأسماء الأكاديمية المتخصصة في القانون الدستوري داخل المحكمة، حيث تشغل منذ كانون الثاني 2025 رئاسة قسم القانون العام في كلية الحقوق بجامعة دمشق، كما تعمل أستاذة في الجامعة الافتراضية السورية.
حصلت على الدكتوراه في القانون العام من جامعة دمشق، مع تخصص أكاديمي في القانون الدستوري من فرنسا.
وبرز اسمها خلال العام الماضي باعتبارها عضواً في لجنة صياغة الإعلان الدستوري، حيث ظهرت في عدد من اللقاءات الإعلامية لشرح مضامين المسودة.
وأكدت في تصريحات إعلامية أن الإعلان الدستوري كفل الحريات لجميع مكونات الشعب السوري، وألغى المحاكم الاستثنائية التي ارتبطت بحقبة النظام المخلوع، كما أشارت إلى أن المرحلة الانتقالية ستشهد إنشاء محكمة خاصة بالعدالة الانتقالية.
وفي مقابلة سابقة مع قناة" الحدث" اعتبرت أن من أبرز مزايا الإعلان الدستوري احترام التعدد الديني والطائفي وضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية.
عارف الشعال.
محامٍ شارك في إصلاح التشريعاتيعد المحامي عارف أحمد الشعال من أكثر أعضاء المحكمة حضوراً في المجال القانوني والإعلامي.
تخرج في كلية الحقوق بجامعة دمشق، وعمل محامياً وخبيراً قانونياً، وشارك خلال السنوات الماضية في عدد من اللجان المكلفة بتعديل القوانين السورية.
عُرف المحامي الشعال بمواقفه المعارضة لنظام الأسد المخلوع، ونشر دراسات وأبحاثاً قانونية متعددة، وشارك بصورة منتظمة في البرامج التلفزيونية المتخصصة بالشأن الدستوري والقضائي.
وفي تصريحات لصحيفة" الغارديان" البريطانية، كانون الثاني 2025، انتقد الشعال استمرار عمل السلطة التنفيذية في ظل ما وصفه بـ" الفراغ الدستوري"، داعياً إلى الإسراع في بناء مؤسسات دستورية شرعية.
يشارك المحامي الشعال في نقاشات تتعلق باستقلال القضاء ونقابة المحامين والمحاكم الاستثنائية وعقوبة الإعدام والعدالة الانتقالية.
كما ضمت تشكيلة المحكمة الدستورية العليا عضوية القاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضية المستشارة إيمان أنطوان نوري، وكلاهما من أعضاء السلك القضائي، وفق ما ورد في المرسوم الرئاسي.
وحتى إعداد هذا التقرير، لم تُنشر بيانات أو سير ذاتية رسمية مفصلة عن مسيرتهما المهنية، واقتصر المعلن على صفتهما القضائية بصفتهما مستشارين، من دون إتاحة معلومات إضافية عن المناصب التي شغلاها أو خبراتهما القضائية، الأمر الذي يجعل المعلومات المتاحة عنهما في المصادر المفتوحة محدودة حتى الآن.
ما صلاحيات المحكمة الدستورية العليا؟جاء تشكيل المحكمة الدستورية العليا استناداً إلى المادة (47) من الإعلان الدستوري، التي نصت على حل المحكمة الدستورية العليا القائمة وإنشاء محكمة جديدة تتألف من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة، على أن يصدر لاحقاً قانون ينظم آلية عملها واختصاصاتها.
وبموجب المرسوم رقم (149) لعام 2026، عين الرئيس أحمد الشرع رئيس المحكمة وستة أعضاء، وحدد بصورة مؤقتة المهام التي ستباشرها المحكمة إلى حين صدور القانون الناظم لعملها.
وتشمل هذه المهام الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بطلب من رئيس الجمهورية، وإبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين بطلب من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، إضافة إلى تفسير نصوص الإعلان الدستوري بناءً على طلب أي منهما.
ويلزم المرسوم رئيس المحكمة وأعضاءها بأداء اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية قبل مباشرة مهامهم، ونصها: " أقسم بالله العظيم أن أحترم الإعلان الدستوري، وأن أقوم بواجبي بأمانة وإخلاص".
ويأتي تشكيل المحكمة بعد أقل من أسبوع على استكمال تشكيل مجلس الشعب بإعلان الثلث الرئاسي، ليُستكمل بذلك إنشاء واحدة من أبرز المؤسسات الدستورية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري خلال المرحلة الانتقالية.
وتُعد المحكمة الدستورية العليا أعلى جهة قضائية مختصة بالرقابة الدستورية في البلاد، إذ تتولى التأكد من توافق التشريعات والأنظمة مع الإعلان الدستوري، كما تمنح السلطات المختصة تفسيراً ملزماً لنصوصه عند وجود خلاف أو غموض في تطبيقها، وهو ما يمنحها دوراً محورياً في رسم العلاقة بين السلطات خلال المرحلة الانتقالية.
وتختلف المحكمة الجديدة عن نظيرتها في عهد النظام المخلوع من عدة جوانب؛ فالمحكمة السابقة كانت تتألف من 11 عضواً، وتستند إلى دستور عام 2012، كان آخر رئيس لها محمد جهاد اللحام، الذي سبق أن شغل أيضاً منصب رئيس مجلس الشعب.
وخلال عهد النظام المخلوع، كانت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب تتولى دراسة دستورية مشاريع القوانين المحالة إلى المجلس، وترفع تقريرها قبل مناقشتها، فإذا رأت عدم دستوريتها امتنع المجلس عن مناقشتها وأُعيد المشروع إلى الجهة التي قدمته.
أما المحكمة الدستورية العليا فكانت تمثل أعلى جهة قضائية مختصة بالفصل في المسائل الدستورية، مع حظر الجمع بين عضويتها وأي منصب حكومي أو عضوية في مجلس الشعب، وهو المبدأ الذي استمرت عليه المحكمة الجديدة بوصفها هيئة قضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإن كان تنظيمها التفصيلي سيصدر لاحقاً بقانون خاص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك