بعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على توقيع التفاهم المؤقت بين واشنطن وطهران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، أن المذكرة باتت بحكم المنتهية.
ولم يكن هذا الإعلان مفاجئاً في مسار الأحداث، إذ سبقه ليل أمس الثلاثاء، قرار من وزارة الخزانة الأميركية بتخلي واشنطن عن أحد أهم بنود المذكرة، عبر إلغاء الإعفاء المؤقت الممنوح لإیران لبيع النفط والمنتجات البتروكيميائية، ليتم تفعيل العقوبات النفطية بشكل كامل.
وجاءت هذه التطورات المتسارعة في أعقاب هجمات استهدفت، أمس الثلاثاء، ناقلات نفط في مضيق هرمز، تلتها غارات جوية أميركية ليلاً، استهدفت عدة مواقع في محافظتي هرمزغان وخوزستان الإيرانيتين، ما أسفر عن مقتل عنصر في الحرس الثوري الإيراني، وإصابة اثنين آخرين.
وفي ردة فعل سريعة، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن قصف 85 نقطة داخل القواعد الأميركية في الكويت والبحرين، متوعداً بردّ صارم على أي اعتداء أميركي، مع رفضه فتح أي مسار في مضيق هرمز لعبور السفن غير المسار المحدَّد من قبل إيران مسبقاً.
وتتزامن هذه الاشتباكات والتوترات في وقت لم تنتهِ فيه بعد مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، حيث تُجرى له مراسم جنائزية في العراق اليوم، تمهيداً لدفنه غداً الخميس في مدينة مشهد بشرق إيران.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يطرح الإعلان الأميركي عن نهاية التفاهم، مقروناً بجولة صدام عسكري جديدة، تساؤلات ملحّة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استئناف الحرب الشاملة من جديد.
كيف وصل الوضع إلى هذه الحالة؟وقّعت إيران والولايات المتحدة الأميركية في 18 من الشهر الماضي على مذكرة تفاهم بواسطة قطر وباكستان، مكونة من 14 بنداً، لكن بعدها بأيام، بدأت الخلافات حول تفسير البنود وتطبيقها، وسط عدم التزام إسرائيل بالبند الأول الذي ينصّ على وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، قبل أن تمتثل لذلك تحت ضغط أميركي، لكن مع خروق يومية مستمرة.
في هذا السياق، يقول الخبير الإيراني علي رضا تقوي نيا، في حديثه إلى" العربي الجديد"، إن السبب الرئيسي وراء قبول الأميركيين بالتفاهم مع إيران كان حاجتهم الماسة إلى فتح مضيق هرمز، مضيفاً أنه بسبب انتهاك التفاهم في لبنان وبنود أخرى، لم تُعِد إيران فتح مضيق هرمز وحركة المرور فيه إلى وضعها الطبيعي قبل 28 فبراير/ شباط الماضي، أي قبل العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران.
ويوضح الخبير الإيراني أن المضيق في أفضل حالاته عمل بعد التوصل إلى مذكرة التفاهم بنحو 20% فقط من طاقته، بعدما كانت تمر منه قبل الحرب نحو 140 سفينة في الوضع الطبيعي، مؤكداً أن إيران أحكمت سيطرتها على المضيق، وأفشلت إنشاء ممر في جنوبه، موازٍ للمسار المحدد من قبلها، مؤكدة أنها لن تسمح بالمرور إلا عبر الممر الذي حددته.
ويوضح تقوي نيا أن الأميركيين شعروا بعد ذلك بأن التفاهم أصبح يضرّ بمصالحهم، لأنهم رفعوا الحصار البحري، وبدأت إيران ببيع نفطها والحصول على عوائده، بينما كانت قبل ذلك تعاني من مشاكل جدية في بعض المجالات بعد الحصار البحري، موضحاً أنها تمكنت في الواقع من استيراد السلع الأساسية لتجهيز نفسها للجولة التالية من الحرب.
وتابع أن أميركا شعرت بأن الشيء الوحيد الذي كان من الممكن أن تستفيد منه من هذا التفاهم هو إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، وهو ما لم تسمح إيران بحدوثه، ما أثار غضب الأميركيين.
ويلفت الخبير الإيراني إلى أن نظرة إيران للتفاهم الأخير كانت" تكتيكية قصيرة المدى"، بوصفها فرصة لالتقاط الأنفاس لرفع الحصار البحري لتتمكن من بيع النفط ومنتجاتها البتروكيميائية.
ويقلّل تقوي نيا من إعادة فرض العقوبات النفطية على طهران، قائلاً إن بيع النفط إلى الصين سيستمر، وخاصة أن الروس يعانون أيضاً من ضربات في صناعة النفط لديهم، مشيراً إلى أن بلاده ستحصل على عائدات صادرات النفط بطريقتها.
وفي ما يخص احتمالات العودة إلى الحرب الشاملة، يعتقد تقوي نيا أن الولايات المتحدة لن تدخل في مواجهة شاملة حتى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، موعد الانتخابات النصفية الأميركية، مشيراً إلى أن ما يحدث من هجمات هو مجرد مناوشات عادية، لكنها حسب اعتقاده لن ترتقي إلى مستوى حرب شاملة.
ويضيف أنه في حال فوز الديمقراطيين في الانتخابات، فإن أميركا لن تدخل في الحرب بالتأكيد، وهو ما يمثل فرصة جيدة جداً لإيران.
من جانبه، يستبعد الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، في حديث مع" العربي الجديد"، العودة إلى حرب شاملة، قائلاً إن ذلك ليس على جدول أعمال الطرفين في الوقت الراهن.
ويضيف أنه لا يرى أن أياً من الطرفين في وضع يسمح له بالعودة إلى حالة الحرب الشاملة حالياً، مرجحاً استمرار الهجمات المتبادلة لفترة أخرى بشكل متذبذب وغير مستقر، إلى حين ترميم وقف إطلاق النار مجدداً، للدخول بعدها في مرحلة انتظار وترقب لمعرفة ما إذا كان الاتفاق سيؤتي ثماره أم لا.
ويتابع الخبير الإيراني أن الطرفين عالقان في نوع من المأزق، مشيراً إلى أن الجانبين لا يرغبان في تجاوز هذه المرحلة عبر تقديم تنازلات دون مقابل قبل الحصول على ضمانات مؤكدة، وفهم كامل لنيات الطرف الآخر.
ومن منظور استراتيجي، يرى خديو أن إيران لا تزال تعتبر مضيق هرمز أهم أوراق الضغط لديها في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأن أي إجراء يؤدي إلى التطبيع الكامل للأوضاع في هذا الممر المائي، وفق الترتيبات الأميركية، يقلل من قيمة هذه الورقة لطهران.
وعليه، يوضح خديو أن إيران ستظل تحتفظ بورقة هرمز حتى نهاية المفاوضات، وهي الأداة التي قال إنها" لعبت دوراً مهماً" في معادلات الردع إبان الحرب.
ومع ذلك، يؤكد أنه لا توجد ضمانات بأن مثل هذه الاستراتيجية لن تؤدي إلى مزيد من التصعيد في الأزمة، والعودة إلى المواجهات العسكرية.
غير أن القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين كنعاني مقدم له وجهة نظر مختلفة، حيث يتوقع في حديث مع" العربي الجديد" أن تشهد المنطقة سلسلة ضربات متبادلة بين طهران وواشنطن خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيؤدي إلى حرب جديدة ستكون حسب توصيفه" أكثر اتساعاً وأطول زمنياً"، من دون أن يستبعد في السياق قيام ترامب بما وصفها بـ" مغامرة عسكرية" عبر الهجوم البري.
ويؤكد كنعاني مقدم أن يد إيران" مطلقة هذه المرة" في مضيق هرمز وفي عملياتها الصاروخية والمسيّرة، مشدداً على أن طهران لن تنتظر أي ترتيبات لوقف إطلاق النار إذا استؤنفت الحرب، مشيراً إلى الدورة التي خلقها ترامب، القائمة على الحرب ثم الهدنة، فالتفاوض، داعياً إلى ضرورة إنهائها.
ويوضح أن ترامب يسعى بالأساس إلى جلب حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى منطقة الخليج للعمل ضد إيران، بسبب ما اعتبرها استحالة خوض واشنطن وحدها حرباً طويلة الأمد مع إيران.
انهيار التفاهم أم تعليقه؟وفي تعليق على مصير مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، يؤكد الخبير الإيراني حميد آصفي أن تفاهم إسلام أباد لم يُبنَ على أساس الثقة المتبادلة، بل استند إلى مبدأ إدارة الأزمات وليس حلها، مضيفاً في حديث مع" العربي الجديد"، أنه لهذا السبب، كان بوسع أي تطور أمني أن يزعزع توازنه الهش، ويبدو أن هذا هو ما حدث الآن.
ويوضح أن مضيق هرمز يقع في مركز هذه الأزمة، كونه يمثل نقطة ذات أهمية استراتيجية لكل من إيران والاقتصاد العالمي.
ويرى آصفي أن إعلان ترامب انتهاء التفاهم يشير إلى فقدان الثقة بفاعلية المذكرة، وأن ترامب لم يعد يرى التفاهم إطاراً ملزماً، مضيفاً أن ذلك لا يعني إغلاق باب الدبلوماسية تماماً، حيث يشير تفويضه المفاوضَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بشأن استمرار المفاوضات إلى تمييزه بين إنهاء التفاهم الحالي وإنهاء المفاوضات، ما يبقي الباب موارباً لاحتمال صياغة إطار جديد.
ويلفت آصفي إلى أن خطاب ترامب يهدف لبناء سردية سياسية تُظهر الولايات المتحدة طرفاً منح فرصة للهدوء، ومحاولته تحميل إيران مسؤولية تقويضها، متوقعاً أن تتبلور هذه المواقف في سياسة تقوم على العودة التدريجية للضغط الأقصى، مع الإبقاء على قنوات حوار محدودة لضمان بقاء فرص الصفقات قائمة.
ويختم الخبير الإيراني حديثه مع" العربي الجديد" بالتأكيد على ضرورة عدم الخلط بين خطاب ترامب والسياسة العملية، مشيراً إلى أن تفاهم إسلام أباد دخل مرحلة" تعليق عملي"، وليس مرحلة انهيار نهائي بعد، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور من إجراءات ميدانية أو دبلوماسية في الأسابيع المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك