تمنح المؤشِّرات الاقتصاديَّة قِيمتها الحقيقيَّة عندما تُقرأ باعتبارها منظومة مترابطة؛ فكل قطاع يضيف دلالة مختلفة إلى المشهد الاقتصادي، وكل تغيُّر في الأرقام يكشف اتجاهًا يستحق التوقف عنده.
ومن هذا المنطلق، تظهر البيانات الأوَّليَّة للناتج المحلِّي الإجمالي لسلطنة عُمان خلال الربع الأول من عام (2026)م، بوصفها انعكاسًا لمرحلة اقتصاديَّة تتسع فيها مساهمة القطاعات غير النفطيَّة، وتتراجع فيها حساسيَّة الاقتصاد تجاه تقلُّبات أسواق الطاقة.
ورغم انخفاض الناتج المحلِّي الإجمالي بالأسعار الجارية بنسبة (2) بالمئة، فقد جاءت تفاصيل البيانات لتوضِّح أنَّ هذا التراجع ارتبط بانخفاض قِيمة الأنشطة النفطيَّة، في الوقت الذي حافظت فيه الأنشطة غير النفطيَّة على مسار نُمو متواصل، وهو ما يمنح هذه المؤشِّرات بُعدًا اقتصاديًّا يتجاوز القراءة التقليديَّة للأرقام.
ولعلَّ نُمو الأنشطة غير النفطيَّة بنسبة (5.
9) بالمئة يُمثِّل المؤشِّر الأبرز في هذه النتائج؛ فقدِ ارتفعت قِيمتها إلى (7) مليارات و(462) مليونًا و(600) ألف ريال عُماني، مدفوعةً بالأداء الإيجابي لعددٍ من القطاعات الحيويَّة.
وسجَّلت الأنشطة الخدميَّة نُموًّا بلغ (8.
5) بالمئة، مع ارتفاع الوساطة الماليَّة والتأمين بنسبة (25.
4) بالمئة، ونُمو أنشطة المعلومات والاتصالات بنسبة (8.
3) بالمئة، والأنشطة المهنيَّة والعلميَّة والتقنيَّة والخدمات الإداريَّة بنسبة (8.
2) بالمئة.
كما واصل قطاع الزراعة وصيد الأسماك تحقيق نُمو بلغت نسبته (4.
7) بالمئة.
وهذه المؤشِّرات تُظهر اتساع مساهمة الأنشطة ذات القِيمة المضافة في الاقتصاد الوطني، وتؤكد أنَّ برامج التنويع الاقتصادي أصبحت تُنتج نتائج عمليَّة تظهر بوضوح في مختلف القطاعات، وتفتح مجالات أوسع للاستثمار والإنتاج.
وتحمل النتائج أيضًا دلالة مهمَّة تتعلق ببنية الاقتصاد العُماني؛ فالتراجع المسجَّل في قِيمة الأنشطة النفطيَّة بنسبة (11.
7) بالمئة ـ نتيجة انخفاض قِيمة النفط الخام والغاز الطبيعي ـ لم يؤثِّر في استمرار نُمو القطاعات الأخرى، وهو ما يعكس وجود قاعدة اقتصاديَّة أكثر تنوعًا واتساعًا.
كما حافظ القطاع الصناعي على استقرار أدائه رغم المتغيِّرات التي شهدتها الأسواق العالميَّة، وهو ما يُعزِّز قدرة الاقتصاد الوطني على المحافظة على توازنه في مختلف الظروف.
وتكتسب هذه المؤشِّرات أهميَّة إضافيَّة؛ لأنَّها تعبِّر عن تطوُّر تدريجي في هيكل الناتج المحلِّي، حيث تتقدم الأنشطة غير النفطيَّة بخطوات ثابتة نحو تعزيز مساهمتها في النُّمو، بما يرسِّخ مرونة الاقتصاد، ويرفع قدرته على التعامل مع المتغيِّرات الإقليميَّة والدوليَّة بكفاءة أكبر، ويجعله أكثر قدرة على التعاطي مع القادم، مهما اختلفت الأوضاع السياسيَّة والاقتصاديَّة.
إنَّ المحافظة على ذلك المسار المتميز تُمثِّل ركيزة أساسيَّة لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، خصوصًا في ظلِّ استمرار العمل على تطوير بيئة الاستثمار، ورفع تنافسيَّة الاقتصاد الوطني، وتعزيز دور القطاع الخاص، ودعم الأنشطة المرتبطة بالمعرفة والتقنيَّات الحديثة.
وتؤكد المؤشِّرات الحاليَّة أنَّ الخيارات الاقتصاديَّة التي انتهجتها سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية بدأت تؤتي ثمارها بصورة واضحة، وأنَّ تنوع مصادر النُّمو أصبح واقعًا تدعمه الأرقام وتسنده مؤشِّرات الأداء، وهو ما يُعزِّز الثقة في قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النُّمو المستدام، وترسيخ مكانة السلطنة باعتبارها نموذجًا اقتصاديًّا يمتلك مُقوِّمات الاستقرار والمرونة، وآفاقًا واعدة للمستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك