وضع زعيم حزب" إصلاح المملكة المتحدة" اليميني نايجل فاراج مرة أخرى النظام السياسي البريطاني أمام اختبار جديد.
فبعد النجاح السياسي الذي حققه حزبه في الانتخابات المحلية التي جرت في مايو/أيار الماضي، استقال فاراج من مقعده البرلماني كي ينافس عليه مرة أخرى، وهدفه، كما أعلن في بيانه الصاخب أمس الثلاثاء، هو تجديد تفويض أهالي دائرته الانتخابية له وثقتهم فيه.
وكما حدث مرارا من قبل، اجتمع الزعماء السياسيون البريطانيون، باختلاف أحزابهم، على الهجوم على فاراج.
فهو، برأيهم، " محتال" و" فاسد حتى النخاع" و" يائس"، وسلك هذا المسلك" تحت ضغط" التحقيق معه بشأن ممارسات مالية تخالف القواعد البرلمانية بقبوله تبرعات لم يبلغ مجلس العموم بها.
ولم تنه لجنة" المعايير البرلمانية" بعد تحقيقها في تلقي فاراج خمسة ملايين جنيه إسترليني قبل فوزه في انتخابات عام 2024 ودخوله البرلمان، كما لم تبدأ بعد تحقيقا آخر محتملا في مبالغ كبيرة تقول تقارير صحافية ذات قدر من المصداقية إنه تلقاها من رجال أعمال آخرين، كان عليه أن يبلغ عنها لأنه تلقاها خلال سنة سابقة على دخوله البرلمان.
ويقول فاراج إن المبلغ الأول، الذي منحه إياه رجل أعمال يعمل في العملات المشفرة مقيم في تايلاند، كان على سبيل" الهبة الشخصية".
ولذا، رأى هو ومستشاروه القانونيون أنه لم يكن مطالبا بإبلاغ البرلمان عنها.
وترى الحملة السياسية والإعلامية التي يواجهها فاراج الآن أنه أراد أن يختبئ وراء الانتخابات محاولا الهروب من عواقب مخالفته المحتملة للوائح البرلمانية.
ولذلك، يضغط خصومه، الذين يتزايد عددهم منذ انتخابات مايو/أيار، الآن لمنع إجراء انتخابات جديدة في دائرة كلاكتون، شرقي انكلترا، التي فاز فيها فاراج بأغلبية كاسحة على مرشح حزب المحافظين، أقرب منافسيه.
ويدفع الخصوم بأنه ليس من الملائم" إهدار أموال دافعي الضرائب" على انتخابات جديدة.
واجتمع الخصوم أيضا، باستثناء حزب الخضر، على مقاطعة الانتخابات التكميلية في كلاكتون، فقد رأوها" سيركا" و" تصويتا" من إعداد وإخراج فاراج المعروف بذكائه في المناورة السياسية والنجاة من الأزمات، غير أنه ليس هناك ما يضمن أن المقاطعة ستجدي نفعا، فهي ليست سابقة.
فعلها حزب المحافظين من قبل ولم تفلح الاعتراضات في منعه.
ومن الناحية القانونية، ليس هناك ما يحول دون إجراء الانتخابات مع استمرار التحقيق البرلماني في أموال فاراج، أيا تكن نتائجه.
فحتى لو أُدين، فإن أقصى عقوبة يواجهها هي تعليق عضويته في البرلمان ربما لفترة طويلة، وليس طرده منه.
وهذا يعني أنه سيكون باستطاعته على أي حال الاستقالة، ما يستوجب إجراء انتخابات جديدة.
وفي بيانه، قال فاراج إن لجنة المعايير البرلمانية استُخدمت سلاحا سياسيا ضده بسبب تأكيد استطلاعات الرأي المتكررة، منذ انتخابات مايو/أيار، لأن الإصلاح سيتفوق على بقية الأحزاب الأخرى، في الانتخابات المقبلة (في عام 2029)، ما يجعل فاراج مؤهلا للحكم.
وهذا ما استعدى عليه، كما أشار، مؤسسات الدولة البريطانية التي اتهمها بأنها" لن تعامله بإنصاف".
وأضاف بعدا إنسانيا آخر يتمثل في الشكوى غير المباشرة إلى البريطانيين من ملاحقة الإعلام لابنته، والزعم أن مؤسسات الدولة الأمنية، بالتحديد جهاز الشرطة ووزارة الداخلية، تجاهلت" التهديدات اللفظية باغتياله"، و" الاعتداءات البدنية" عليه.
وأضاف، مستعطفا، أنه سيظل في حاجة لحماية أمنية بقية حياته.
وكانت تلك محاولة، في ما يبدو، لاستعداء المواطن العادي على المؤسسة الحاكمة التي يُنظر إليها شعبيا باعتبارها لا تراعي سوى مصلحة النخبة السياسية والمالية.
وفي خضم الحملة الحالية عليه، والتي حشد حزب الإصلاح ما يستطيع لمواجهتها، تُطرح، على استحياء، أسئلة تقلق الخصوم: ماذا لو فاز فاراج في الانتخابات التكميلية؟ وماذا إذا فاز بالأغلبية نفسها؟ أو إذا فاز ربما بأغلبية أكبر بعد شكواه من أنه ضحية للملاحقة؟غير أن حزب الإصلاح وأنصاره يواجهون أيضا سؤالا بشأن مغامرة محتملة ربما وضعهم فاراج أمامها بمناورته الانتخابية: ماذا لو لم يفز الزعيم الذي يباهي بأنه يثير الجدل السياسي دائما لأنه" مفجر ثورة التغيير السياسي غير المسبوق" في بريطانيا؟ وعندما خاطب فاراج الشعب البريطاني، وخاصة دائرته الانتخابية، اختار أن يفعل ذلك عبر بيان تلفزيوني بثه حزب الإصلاح.
ولم يوجه الدعوة إلى الإعلام للرد على سيل الأسئلة الصعبة المتوقعة.
وفي ظل التساؤلات المثارة الآن بشأن قضية التبرعات والضخ الإعلامي والسياسي المنظم بحق فاراج، يأمل خصومه وأعداء اليمين في بريطانيا في أن تكون لدى ناخبي دائرة كلاكتون علامات استفهام حول الذمة والنزاهة المالية للرجل، كما يتوقعون أن يعبر الناخبون عن أسئلتهم له في صندوق الانتخابات المرتقبة، على أمل أن تنقلب مغامرة زعيم الإصلاح عليه وعلى حزبه، لتهدي النظام السياسي البريطاني المعطوب حلا لمعضلة فاراج واليمين المؤجلة التي فشل في التعامل مع أسبابها لسنوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك