في إحدى الندوات الصيفية، جلس إلى جواري قريب لي؛ رجل في نهاية الستينات من عمره، منطوٍ، ساخر، من ذلك الطراز الذي يُملي اقتراحاته طوال الوقت.
كان يرتدي سترته الزرقاء التي يعاملها كأنها كنز من العهد الملكي القديم، رغم أنني لم أرَهُ سوى مرتين في حياتي كلها.
توجه إليّ بحديثه وهو يتحسس إطار نظّارته، بادئاً سرداً مطولاً ومضخمًا عن مسيرته الأدبية «الذهبية»؛ تخلل ذلك السرد تحذير مبالغ فيه من «الاختناق الداخلي»، ومن الاختبارات القاسية التي تركها الأدب خلفه طوال حياته، وكيف واجه مسيرته والحياة بسلاسل من حديد.
أما أنا، فلم أتفوّه إلا بالقليل، وأهزّ رأسي بهدوء مهذب: «نعم، بالطبع»؛ لأنني ببساطة أعرف أن فلسفة هذا الموقف تنطبق على الكثيرين من هواة الصراخ، حتى في مواجهة أنفسهم.
عن صنف المتشدقين بالماضي، أولئك الذين لا يملّون من إطراء روعته المشبعة بالمجد والتحدّي، ويزعمون أنهم يفهمون الحياة بعين فراسة ترى من ثقب مفتاح لا يُرى.
تعرّفتُ إلى بعضهم، وما زالت تراودني رغبة عارمة في تفكيك تلك التجربة.
عرفتُ المزيد عن طباعهم الملولة التي تُحدث جلبة لا تُطاق؛ إذ أراهم من النوع الذي يجثم على صدرك نهاراً، ولا يفوته التسلل إلى غرفة نومك ليلاً ككائن نقيّ الضمير، لا يبخل بمهاراته التوعوية البائسة: «إياك أن تحلم وتعبر إلى الجانب الآخر يا صديقي؛ ذلك الجانب الذي عبره أمثالنا من قبلك ولم يعودوا! ».
يقدم هذا النمط من النصائح التي لا يعرف كيف يطبّقها على نفسه، ويطارد زمناً منتصراً عليه منذ البداية، عبر طمس رغبات الآخرين وتطلعاتهم.
وفي عالم الأدب والفن، يذكّرني هؤلاء بشخصية «بولونيوس» في مسرحية شكسبير الشهيرة «هاملت»؛ ذلك الثرثار الذي يوزع النصائح الرفيعة على الجميع، بينما هو عاجز تماماً عن تطبيقها في حياته.
كلما تمعنتُ إلى هؤلاء، فإن المشكلة الحقيقية بدأت قبل خمسة وثلاثين عاماً، حين تخلّوا عن طموح السعي، وعن تلك النجاحات السرّية التي لم تنتهِ معظمها نهايات سعيدة.
إنها حصيلة إخفاقات ومتغيرات اضطرّتهم الظروف في النهاية إلى القبول بأقل مما يستحقون من تقدير.
وما يثير دهشتي: من أين تأتي تلك القدرة الفطرية على هذا السرد المملّ في كل مناسبة؟ ففي أعراف القوم، كثرة الكلام تُفسد يقين الشيء، كما يُفسد الليل ما تقوله النرجس عن جمالها في الماء: «لا أنا إلا أنا».
فما يقولونه، في خلاصة ما تصل إليه ذاكرتي، ليس سوى وسيلة لسدّ الفجوة الفوضوية بين أحلامهم وهلوساتهم وجنون رغباتهم الحقيقية، وذريعة مراوغة للحطّ من الموارد الذاتية للآخرين.
في أعماقي، لا أترك أذناً تستسلم لصوتهم، ومن المستحيل أن أسمّي صوتاً كهذا حكمة، خصوصاً أنني كنت شاهدة على ماضٍ كان في أصله مشتتاً وخاوياً.
بل إن السؤال الأعمق والأجدر بالطرح هو: لماذا يصرّ هؤلاء على أن يكونوا حراساً لماضٍ لم يعيشوه، وخصوماً لمستقبل لا يفهمونه؟أميل إلى الاعتقاد بأن السمة المميزة لهم ليست الشرّ بمعناه الواسع، بل جمود العقل والروح.
ومع ذلك، أتوقف لأقول لنفسي إن تصنيف الناس على هذا النحو قد يكون لعبة سيئة جداً.
لكنني أقول لك: هل تعرف هذا النوع من البشر؟ ينبغي عليك فوراً أن تتدرب على تحرير نفسك مما لقنوك إياه، وما أسموه نصيحة، وهو في جوهره كل شيء إلا النصح.
ثمة مثل أفريقي قديم يلخص، ببساطة مذهلة، كل ما يمكن أن يُقال في هذا السياق: «احذر من الشخص العاري إذا قدم لك قميصاً».
فهو ليس مجنوناً بالضرورة، قد يكون فقط في أمسّ الحاجة إلى أن يراك مرتدياً ما لم يستطع امتلاكه قط، ليقنع نفسه، ولو للحظة عابرة، أنه كان يوماً ما مكسوّاً.
أما الآن، وعندما بدأت أتلقى دعوات لحضور أمسيات، دعني أؤكد لك أنني سأحاول الابتعاد عن كل الأوساط التي ألمح فيها عبقرياً يرتدي سترة من الطراز العتيق، ويتحسس تلك العوينات قبل أن يصرخ بوجهي بتلك الطريقة الهامسة.
أعتقد أنها واحدة في العمر تكفي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك