ليست المشكلة في أن يختلف العلماء؛ فالاختلاف هو الوقود الحقيقي الذي يدفع المعرفة إلى الأمام.
ولو اتفق الجميع على كل شيء، لما تقدمت العلوم خطوة واحدة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخيال بديلاً عن الدليل، وعندما تتحول الفرضية إلى يقين، والرغبة إلى حقيقة، والإعجاب بالحضارة إلى صناعة أساطير جديدة حولها.
لقد أثار الجدل الذي دار بين الدكتور وسيم السيسي والدكتور زاهي حواس اهتمامًا واسعًا، ليس لأن المصريين مختلفون حول حضارتهم، بل لأن الحضارة المصرية نفسها أصبحت ساحة تتصارع فيها مناهج متعددة؛ منهج يعتمد على الحفائر والنقوش والبرديات والتحليل العلمي، ومنهج آخر يميل إلى التأويل الواسع وإعادة قراءة التاريخ خارج حدود الأدلة.
وفي رأيي، فإن القضية ليست قضية أشخاص، بل قضية منهج.
فعلم الآثار ليس علمًا للرغبات، وإنما علم للأدلة، لا يكفي أن تبدو فكرة جذابة حتى تصبح صحيحة، ولا يكفي أن تثير الدهشة حتى تتحول إلى حقيقة تاريخية.
الحضارة المصرية القديمة أعظم من أن تحتاج إلى خرافة كي تزداد عظمة.
ومن أكثر الأفكار التي تتكرر منذ عقود القول إن الأهرامات ليست مقابر، وإنما محطات لتوليد الطاقة، أو أنها بُنيت بمساعدة كائنات جاءت من خارج الأرض.
هذه الأفكار تحقق انتشارًا إعلاميًا واسعًا لأنها تخاطب الخيال، لكنها تصطدم بحقيقة بسيطة؛ أين الدليل؟لقد كشفت الحفائر الأثرية عن قرى العمال الذين شيدوا الأهرامات، وعن أدواتهم، وعن مقابرهم، وعن سجلات نقل الأحجار، كما كشفت الدراسات الحديثة عن تفاصيل هندسية جديدة داخل الهرم الأكبر، لكنها لم تقدم أي دليل على وجود أجهزة لتوليد الطاقة أو تقنيات غير بشرية في البناء.
بل إن كل اكتشاف أثري جديد يضيف صفحة جديدة إلى قصة العبقرية المصرية، لا إلى قصص الزوار القادمين من الفضاء.
إن الذين ينسبون بناء الأهرامات إلى كائنات فضائية يظنون أنهم يمجدون الحضارة المصرية، لكنهم في الحقيقة ينتزعون منها أعظم ما فيها: الإنسان المصري.
ذلك الإنسان الذي استطاع قبل أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام أن ينظم الإدارة، ويبدع في الهندسة، ويؤسس دولة قوية، ويحول الحجر إلى رسالة خالدة.
إن الحضارة المصرية لم تكن معجزة لأنها جاءت من السماء، بل لأنها خرجت من الأرض؛ من ضفاف النيل، ومن عقول المصريين، ومن أيدي البنائين والمهندسين والكتبة والحرفيين الذين صنعوا واحدة من أعظم حضارات التاريخ.
ولا يعني ذلك أن البحث العلمي قد انتهى.
على العكس، فما زالت الأهرامات تخفي كثيرًا من أسرارها الهندسية، وما زالت التكنولوجيا الحديثة، مثل التصوير بجسيمات الميون والرادار والمسح ثلاثي الأبعاد، تكشف تفاصيل جديدة كل عام.
لكن العلم يفرق دائمًا بين" ما نعرفه"، و" ما لا نعرفه"، و" ما لا نملك أي دليل عليه".
وهذه الحدود هي التي تمنح العلم قوته ومصداقيته.
إن احترام الحضارة المصرية لا يكون بإحاطتها بالغموض المصطنع، بل بفهمها كما هي؛ حضارة إنسانية عظيمة، صنعها المصري القديم بعقله وخبرته وإصراره.
وهذه الحقيقة ليست أقل إثارة من أي رواية عن الطاقة الخفية أو الكائنات الفضائية، بل هي أكثر إلهامًا، لأنها تؤكد أن الإنسان، عندما يمتلك المعرفة والإرادة، يستطيع أن يبني ما يظنه الآخرون مستحيلًا.
إن مستقبل علم المصريات لن يصنعه من يرفع سقف الخيال، بل من يرفع مستوى الدليل.
وسيظل الحجر المصري، الصامت منذ آلاف السنين، أكثر صدقًا من آلاف الحكايات التي تُروى عنه دون برهان.
فالحجر لا يجادل، لكنه يشهد.
وشهادته، حتى الآن، تقول إن المصريين هم الذين كتبوا هذه الملحمة الخالدة بأيديهم، وإن عظمة مصر لا تحتاج إلى أساطير جديدة، لأنها هي نفسها أعظم أسطورة حقيقية عرفها التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك