تفرض المرحلة الراهنة مقاربة واقعية تتجاوز التداعيات اللحظية للإخفاقات الرياضية؛ إذ لم تعد منظومة الرياضة مجرد ميدان للتنافس العابر، بل تحولت إلى ركيزة اقتصادية تستوجب تدخلا تنظيميا حاسما.
ومن هذا المنطلق، لا يمثل المرسوم الملكي الأخير مجرد تحديث تشريعي، بل هو خارطة طريق تهدف إلى ضبط إيقاع الاستثمار، وتحويل الزخم الوطني من مجرد تفاعل عاطفي مع النتائج، إلى مسار استراتيجي لبناء صناعة رياضية متينة وقابلة للاستمرار.
لم يكن الخروج المبكر للمنتخب السعودي من الدور الأول في كأس العالم 2026 مجرد كبوة رياضية عابرة، بل كان مؤشرا حقيقيا يستدعي التوقف أمام واقع تغلبت فيه العاطفة والتوقعات الفردية على التخطيط المؤسسي طويل الأمد.
وفي خضم هذا المشهد المليء بالتحديات، جاء صدور المرسوم الملكي الأخير المتعلق بمنظومة الرياضة كضرورة حتمية، ليضع النقاط على الحروف ويشكل طوق النجاة الحقيقي لمستقبل القطاع الرياضي الوطني الذي يغلفه شغف جماهيري لا نظير له.
لقد كشفت تجربة المونديال الأخيرة وجود خلل في التوازن الاستراتيجي داخل منظومة الرياضة؛ فبينما نجحت الأندية في استقطاب أسماء عالمية عززت من القيمة السوقية للدوري السعودي، ظلت مخرجات الأكاديميات المحلية والجاهزية التنافسية للمنتخب في حالة تذبذب.
إن هذا الفارق بين «وهج النجوم» و«جاهزية المنتخب» هو الثغرة التي تسعى المنظومة الجديدة لسدها، ليس عبر قرارات إدارية مؤقتة، بل من خلال إطار تنظيمي يضمن حوكمة دقيقة للاستثمارات، بحيث توازن بين جدوى استقطاب النجوم العالميين وضرورة الاستثمار المستدام في المواهب السعودية الشابة.
التحول من الاجتهاد إلى المأسسةإن إعادة هندسة منظومة الرياضة تمثل التحول من «الاجتهاد» إلى «المأسسة».
فهي تفرض معايير صارمة للحوكمة تضمن استقرار الأندية، وتوجه الاستثمارات المالية نحو تطوير البنية التحتية والمواهب الشابة بدلا من الاعتماد الكلي على الاستقطابات الخارجية الجاهزة.
ومن هذا المنطلق، تصبح المنظومة الجديدة أداة رقابية وتنظيمية تضمن أن كل ريال يصرف في القطاع الرياضي يخدم هدفا استراتيجيا واضحا، وهو ما تفتقده الممارسات الرياضية التي تغيب عنها الموازنة الدقيقة بين العائد المادي والنمو الفني.
إن جوهر الإصلاح يكمن في خلق بيئة تنافسية عادلة ومترابطة.
فمن خلال تنظيم علاقة الأندية بالاتحادات، وتفعيل آليات المحاسبة والشفافية، تجبر منظومة الرياضة القائمين على القطاع على التخلي عن الحلول التسكينية والالتفات نحو البناء الجذري.
إن طوق النجاة هنا لا يعني بالضرورة نتائج فورية، بل يعني وضع الرياضة السعودية على المسار الصحيح، بحيث تصبح النتائج الدولية انعكاسا طبيعيا لتنظيم داخلي متقن وليس وليد الصدفة أو الاجتهاد العاطفي.
نحو صناعة إبداعية مستدامةختاما، إن الإخفاق في مونديال 2026 يمثل منعطفا تاريخيا.
فالمرحلة القادمة تتطلب وعيا تاما بأن القوة الرياضية لا تبنى بقرارات اللحظة، بل بمتانة المنظومة التي تحمي الاستدامة.
إن تطوير منظومة الرياضة هو الركيزة التي ستنقلنا من مرحلة «شغف الانتصار» إلى مرحلة «الصناعة الإبداعية المستدامة»؛ تلك الصناعة التي تستثمر في العقول والمواهب والبنية التقنية، مؤكدة أن المستقبل الرياضي للمملكة ليس رهنا بمباراة واحدة، بل بمنظومة شاملة ترتقي بالطموحات الوطنية إلى مستوى التطلعات العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك