لبنان عالق في شبكة" لاءات" معقدة يحتاج الخروج منها إلى معجزة، وسط كثير من العجز.
والخلاف الذي تحول صراعاً بين اللبنانيين المدعومين والمضروبين بصراعات الآخرين هو، في الشكل، على المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركا، وفي الأساس، على مستقبل لبنان وموقعه في المنطقة ودوره والأدوار المحلية والخارجية فيه.
والفارق كبير بين المعترضين على أخطاء ونواقص في صيغة" الإطار الثلاثي" الذي وصفه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنه" بداية البداية"، وبين المعارضين الرافضين للمفاوضات المباشرة في المبدأ من أجل شيء آخر، لا من أجل التوصل إلى اتفاق أفضل.
وإذا كان بين الواقفين في موقع" نعم" من يناقش على طريقة" نعم ولكن"، فإن المتوقفين في موقع" لا" يحاذر أي منهم الظهور كأنه يعمل على طريقة" لا، ولكن".
ذلك أن شبكة" اللاءات" المتنافظة تتحكم بإدارة اللعبة في لبنان، وتؤثر وتتأثر بإدارة اللعبة في إيران، وإن كان الرئيس دونالد ترامب يوحي بأنه هو الذي يدير اللعبتين.
وليس أكثر من التسهيل سوى التعطيل في مسار اللعبتين.
وكل شيء على المكشوف.
شعار إسرائيل هو: لا انسحاب أو إعادة إنتشار قبل سحب السلاح من" حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية ومن دون اتفاق سلام مع لبنان.
شعار" الحزب" هو: لا مفاوضات مباشرة ولا سحب سلاح بل مقاومة.
شعار الدولة: لا اتفاق من دون انسحاب كامل وتنفيذ حصرية السلاح.
شعار إيران: لا مفاوضات إلا في المسار الإيراني -الأميركي الذي يحتوي المسار اللبناني.
شعار أميركا والأكثرية العربية والدولية هو: لا انسحاب ولا مساعدات، ولا إعادة إعمار من دون التأكد من قيام الدولة بسحب السلاح من" الجماعات المسلحة من غير الدول".
والدولة تريد سحب السلاح من دون صدام مع الحزب الرافض التخلي عن سلاحه وقرار الحرب والسلم.
و" حيّكها" كما كان يقول الرئيس تقي الدين الصلح في مثل هذه المواقف الصعبة خلال حرب لبنان.
ومن الوهم رهان" حزب الله" على انسحاب إسرائيلي كامل من دون اتفاق وبلا قيد ولا شرط، وهو تضمنه إيران في مفاوضاتها مع أميركا عبر الضغط على نتنياهو.
فما يهم طهران هو بقاء" الحزب" وسلاحه، بصرف النظر عما يحدث في لبنان والإنسحاب أو اللا إنسحاب.
وما تراهن عليه هو دور" الحزب" وبقيه الأذرع في المشروع الإقليمي الإيراني الذي هو مشروع" الولاية"، حيث الثابت هو السلاح ودوره والمتغير هو كل شيء في لبنان والمنطقة.
والكل يعرف لماذا يهدد" الحزب" بحرب أهلية لا أحد يريدها دفاعاً عن سلاحه، ويسخر من الذين يدعونه إلى التخلي عن السلاح للجيش والإكتفاء بدوره کحزب سياسي على أساس أن هذا هو المخرج الآمن واللائق من المأزق العميق.
فعلى مدى حرب إسناد لغزة وإيران انفرد بشنها" الحزب" ضد الأكثرية الرسمية والشعبية، منع" الثنائي الشيعي" من خلال رئيس المجلس النيابي أي نقاش في المجلس يتناول الحرب.
لا بل النقاش في مسألة أخطر من الحرب هي كون الإنفراد بقرار الحرب والسلم مخالفة لميثاق العيش المشترك.
ومن المهم نجاح رئيسا الجمهورية والحكومة في تفاوض لبنان بنفسه عن نفسه في مفاوضات واشنطن، وفك الربط المفتعل بمفاوضات إسلام آباد بین أميرکا وإيران، لکن المشكلة أن طهران موجودة في الداخل، وتنتظر الدولة على الكوع في الجنوب.
والنقاش مفتوح في الشارع والمجالس.
ولا شيء يمنع مناقشة" الإطار الثلاثي" في مجلس الوزراء والبرلمان، وإن لم يكن اتفاقاً تاماً ولا معاهدة، ولا موجب دستورياً لعرضه هناك.
فالوقت حان للتوقف عن إدمان الأزمات والحروب وفرضها على الجميع، والعودة إلى أصول اللعبة الديمقراطية ومنطق التسويات.
وأكبر كذبة هي ما كان يسميها ياسر عرفات" ديمقراطية غابة السلاح".
وما أحوجنا إلى سلاح معاكس هو تركيز البابا لاوون الرابع عشر على" أهمية الثقافة في مواجهة ظلام العقل وعنف المشاعر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك