قبل أربعة أعوام، عندما أدخل أخي – رحمه الله - المستشفى لإجراء عملية دقيقة، لم أفكر أبدًا أن ألتقط له صورًا وهو في أضعف حالاته - بل أسوئها على الإطلاق - بل كنت حينها أحارب ذاكرتي كي لا تقوى وتُبقي أية صور له في عقلي؛ قد تلتقطها عيناي وهو يصارع الموت! وهل هو في وضع تُلتقط له فيها الصور؟اعتدنا التقاط صور اللحظات الجميلة والسعيدة، لنستعيد ذكرياتها كلما طال بنا الحنين لتلك اللحظات، ولكن – للأسف - البعض لا يلتقط الصور للذكرى، بل لعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاركتها الغرباء للحد الذي وصل بالبعض نقل “لايف” للحظات موت أقرب الناس لهم! لنشهد انهيار الأخلاق وانعدام الأحاسيس والمشاعر، بانتشار داء هوس التصوير للسوشال ميديا! فهل عدد المشاهدين واللايكات باتا اليوم أهم من حفظ الخصوصية، واحترام مشاعر الآخرين؟يقول، صادفت في طريقي حادثاً مرورياً بليغاً، انحشر السائق في مركبته، وكان في وضع سيئ للغاية، اتصلت بالدفاع المدني والإسعاف مباشرة، خلال دقائق وصل شقيق – المنحشر في مركبته - في البداية أصابه الهلع من صدمة المنظر الذي كان عليه، حيث كان ينزف والدماء تغطي وجهه، فحاولت تهدئته، بحجة أن ذلك سيؤثر على نفسية أخيه المحشور! لأصدم بعد دقائق أنه وبعد أن تأكد أن أخاه يتنفس ولم يمت - وقبل أن تصل الجهات المعنية - أخذ يلتقط له صورًا، ويهاتف هذا وذاك بمكالمات مصورة! لأشهد أمام عيني احتضار مشاعر الأخوة أمام هوس التصوير والانتشار بالسوشال ميديا! ولا نذهب بعيدًا، ونحن نشهد من يصور أقاربه وهم على مصطبة تغسيل الموتى، ليذيل “البوست” بآية قرآنية وطلب الرحمة له! لتتساءل: أي قلب يملك مثل هؤلاء، وهم يلتقطون الصور في حضرة الموت لأقرب الناس لهم؟ وما الفائدة التي سيرجونها من تلك الصور والفيديوهات بانتشارها؟ وهل سمح لهم ذاك الميت بنشر صوره وهو منزوع الروح؟ فلا غرابة، أن ينتشر يومًا “ترند” لأجمل صورة لميت! طالما هناك مرضى يتسابقون على نشر كل شيء، وإن كان لا شيء!
ياسمينة: المشاعر والأخلاق في احتضار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك