لم تكن مباراة مصر والأرجنتين فى دور الـ16 من كأس العالم 2026 مجرد مواجهة كروية انتهت بخسارة المنتخب المصرى، بل تحولت إلى واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة للجدل بعد الاعتراضات الواسعة على بعض القرارات التحكيمية وتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتكرر مع كل بطولة كبرى هل ما زالت كرة القدم تُحسم داخل المستطيل الأخضر فقط، أم أصبحت تحيط بها اعتبارات سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الرياضة؟كيف تحولت البطولة الأكبر إلى ساحة تتشابك فيها المصالح؟ورغم أن الجدل التحكيمى ليس جديدًا فى تاريخ كأس العالم، فإن باحثين ومؤلفين يرون أن القضية أكبر بكثير من أخطاء الحكام أو قرارات تقنية الفيديو، ومن أبرزهم الباحث الأمريكى ولاعب كرة القدم السابق جولز بويكوف، الذى يناقش فى كتابه الجديد Red Card: The 2026 World Cup, Sportswashing, and the FIFA Greed Machine كيف تحولت البطولة الأكبر فى العالم إلى ساحة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية مع اللعبة نفسها.
يؤكد" بويكوف" أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة بين 22 لاعبًا، بل أصبحت صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات، وتستقطب الحكومات والشركات متعددة الجنسيات، وتجعل من استضافة كأس العالم مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا بقدر ما هو مشروع رياضى.
ويرى أيضاً أن الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) تحول إلى مؤسسة تدير واحدة من أكبر الصناعات الرياضية فى العالم، حيث تتداخل حقوق البث والرعاية والاستثمارات مع القرارات المتعلقة بالبطولة.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة لمفهوم الغسيل الرياضى (Sportswashing)، وهو مصطلح يشير إلى استخدام الأحداث الرياضية الكبرى لتحسين صورة الدول أو القادة سياسيًا، وصرف الانتباه عن أزمات داخلية أو انتقادات خارجية.
ويرى المؤلف أن شعبية كرة القدم جعلتها أداة مثالية لهذا النوع من النفوذ، إذ تمنح الدول المستضيفة حضورًا عالميًا يصعب تحقيقه عبر وسائل أخرى.
ولا يهاجم بويكوف اللعبة نفسها، بل يفرق بوضوح بين عشق الجماهير لكرة القدم وبين المؤسسات التى تديرها، فبحسب الكتاب، ما زالت كرة القدم قادرة على توحيد الشعوب وصناعة لحظات إنسانية استثنائية، لكن المشكلة تكمن فى أن هذه الشعبية الهائلة أصبحت هدفًا للمصالح السياسية والاقتصادية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل اللعبة إذا استمرت خاضعة لهذا القدر من النفوذ.
ورغم أن الكتاب لا يتناول مباراة مصر والأرجنتين أو أى واقعة تحكيمية بعينها، فإن الجدل الذى أعقب اللقاء أعاد طرح السؤال الجوهرى الذى يدور حوله الكتاب، لمن تنتمى كرة القدم اليوم؟ هل للجماهير التى تمنحها الشغف والدعم، أم للاعبين الذين يصنعون المتعة داخل الملعب، أم للمؤسسات والشركات والقوى السياسية التى أصبحت ترى فى اللعبة فرصة لتحقيق المصالح والنفوذ والأرباح؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك